ذ.محمد كريشان
كاتب تونسي
لوحق وسجن في عهدي الرئيسين بورقيبة وبن علي، اللذين ظل خلالهما أحد أبرز رموز الحركة الديمقراطية المناضلة، وحين فتحت الثورة التونسية مطلع 2011 آفاقا رحبة للتغيير وجد الرجل الساحة وقد امتلأت ضجيجا بأدعياء النضال والباحثين عن موطئ قدم فآثر الابتعاد، الذي زاده المرض قسوة، حتى رحل عن دنيانا في أول يوم من أيام هذا العام الجديد.
كان خميس الشمّاري الذي غيّبه الموت أول أمس الاثنين من بين ثلة من المناضلين الذين أطلقوا أولى صرخات المعارضة للاستبداد أواخر ستينيات القرن الماضي ضمن ما عرف وقتها بمجموعة «آفاق» اليسارية مما كلّفه الطرد من كل الجامعات التونسية ثم المحاكمة والسجن. كانت تلك هي البداية والتي لم يغادر بعدها مربع النضال من أجل الحريات وحقوق الإنسان سواء بصفته الكاتب العام لـ«الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان» ثم نائبا لرئيسها من 1981 إلى 1994 أو كوجه سياسي معروف.
وحتى حين التحق بـ«حركة الديمقراطيين الاشتراكيين» المعارضة المعترف بها بقيادة الشخصية التاريخية أحمد المستيري، وأصبح من نوابها في البرلمان بدايات التسعينيات، فإن ذلك لم يوقف الملاحقات ضده حتى أنه أقصي من البرلمان وزج به وراء القضبان لأشهر بسبب معارضته للرئيس بن علي التي تجاوزت ما أراده لها الرئيس من مجرد ديكور للتضليل.
لقد ظل الشمّاري اسما لا غنى عنه في كل المنعطفات الهامة لتونس المستقلة وذلك لقوة شخصيته ومرونته وقدرته على التجميع والبحث عن القواسم المشتركة والتسويات الممكنة، كلّما كان ذلك متاحا، خاصة مع ثقافته الواسعة وقدرته على مراجعة إرثه اليساري الأول ما أتاح له فرصة الانتقال إلى مربّع أكثر رحابة وتنوّعا وهو المجال الحقوقي الحريص على صيانة الحريات والكرامة الشخصية والتعدد الفكري والسياسي الذي لا يقصي أحدا طالما هناك التزام دائم بالنضال السلمي والابتعاد عن العنف أسلوبا للتغيير، ما أهّله ليكون أحد مؤسسي «مبادرة 18 أكتوبر 2005» التي جمعت مشارب مختلفة من معارضي نهج بن علي من يساريين وقوميين وإسلاميين وليبراليين وغيرهم اجتمع كلهم على أرضية واحدة ضد الاستبداد. كما كانت للراحل مساهمات صحافية مميّزة عندما تولى الإشراف على صحيفة أسبوعية ناطقة بالفرنسية في الثمانينيات وتدعى «لوفار».
بعد الإطاحة ببن علي 2011 عيّن الشمّاري سفيرا لتونس في منظمة الأمم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم في باريس (اليونسكو) لكنه لم يمض هناك سوى عامين فقط، رغم ما يتمتع به من علاقات واسعة في فرنسا بحكم نشاطه السياسي السابق الذي جعله لفترات من حياته يقيم هناك، وهو العارف تماما بثقافة فرنسا وسياساتها وسياسييها، والمجيد الرائع للغتها حديثا وكتابة. لا فائدة في الخوض في أسباب تلك العودة المبكّرة في حين أنه كان قادرا على الإفادة والإضافة المتميّزة من ذلك الموقع لأنها أسباب مخجلة للأسف مردّها مماحكات سياسية قديمة للرجل مع بعض الأطراف التي تصدّرت المشهد بعد الثورة.
نفس تلك المماحكات والحسابات السياسية الضيقة هي التي أبعدته عن رئاسة كان الأجدر بها بلا جدال لــ «هيئة الحقيقة والكرامة» التي انطلقت أعمالها عام 2014 وتهدف إلى الإشراف على مسار العدالة الانتقالية عبر كشف الحقيقة عن مختلف الانتهاكات التي عرفتها البلاد في العقود الماضية ومساءلة ومحاسبة المسؤولين عنها وجبر ضرر ضحاياها ورد الاعتبار لهم بهدف الوصول إلى مصالحة وطنية حقيقية. لم يقبل الرجل، بمكانته وتاريخه، أن يكون مجرد عضو عادي في هذه الهيئة فاستقال منها فور تنصيبها.
بعد خيبتي أمل متتاليتين، آثر خميس الشمّاري الابتعاد عن الأضواء خاصة مع ازدياد الآلام في عموده الفقري التي أعاقت سهولة تنقلاته المعتادة. لكل ذلك، لم يكن الرجل من بين الذين سطع نجمهم في تلك السنوات التي عجّت فيها المنتديات ومختلف المناسبات وبرامج التلفزيون الحوارية العديدة بعشرات الشخصيات والمتحدثين، منهم من كان له ماض نضالي يؤهّله للحديث عن عقود الاستبداد والفساد السابقة لكن الكثير غيرهم لم يكونوا سوى من الأدعياء المتسلقين.
وحتى حين ظل ملازما لبيته معظم الوقت في السنوات الأخيرة، لم يتوقف الشمّاري عن المتابعة والرصد لكل كبيرة وصغيرة، بل إنه لم يتأخر عن الجهر بمواقف تاريخية تضاف إلى رصيده النضالي مثل توقيعه على بيان لقدماء مسؤولي «الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان» في أيار/ مايو 2022 يعبّر عن «استيائهم العميق مما آلت إليه الأوضاع داخل هذه المنظمة الحقوقية العريقة» وذلك حين ارتضت الدخول في «حوار صوري لا يستجيب لأدنى ضمانات الشفافية والديمقراطية ومعروف النتائج مسبقا» كان دعا إليه الرئيس قيس سعيّد، مع تسجيل الموقّعين «الغياب الملحوظ والاستقالة شبه تامّة من رابطة حقوق الإنسان أمام عديد التجاوزات الخطيرة المخلّة بالميثاق العالمي لحقوق الإنسان في شموليتها وترابطها وبدولة القانون والمؤسسات، خاصة من 25 يوليو/ تموز 2021» (تاريخ انقلاب سعيّد على الدستور).
يرحل الشمّاري وتونس في أسوأ أحوالها رغم تضحياته وتضحيات أمثاله. رحمة الله عليه.





