انقلاب كبير في سوريا اليوم

إيطاليا تلغراف

 

 

 

الدكتور فيصل القاسم
كاتب واعلامي سوري

 

 

ليس صحيحاً مطلقاً أن سوريا لم تعد تشهد انقلابات منذ وصول حافظ الأسد إلى السلطة عام ألف وتسعمائة وسبعين وحتى اليوم.
صحيح أن الانقلابات العسكرية التي كانت سائدة في فترتي الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي توقفت تماماً، ولم يعد السوريون يستيقظون كل شهر على بيان عسكري جديد وهجوم على مبنى الإذاعة والتلفزيون. وصحيح أن حافظ الأسد تحديداً قضى على موجة الانقلابات تماماً، لكن فترة ابنه تشهد منذ سنوات أكبر انقلاب ناعم في تاريخ سوريا بدون بيانات عسكرية ودبابات في الشوارع. لم يعد يخفى على السوريين منذ الإعلان عن إصابة السيدة أسماء الأسد بالسرطان ثم شفائها من المرض تماماً قبل سنوات، لم يعد يخفى عليهم أن ذلك الإعلان كان بمثابة بيان عسكري تاريخي من نوع خاص سيؤسس لحقبة جديدة تماماً في تاريخ سوريا.

وقد لاحظتم طبعاً منذ ذلك الحين كيف بدأ نجم السيدة أسماء يسطع بقوة في سماء سوريا، إلى حد أن مجلة (الإيكونومست) البريطانية الشهيرة وصفت السيدة الأولى بأنها (الأميرة والقائدة العسكرية والحاكمة بأمرها في شؤون الجيش والاقتصاد والمال). ولم يكن كلام المجلة الرصينة كلاماً مُرسلاً، بل موثق بالبراهين والأرقام والإحصائيات. وكما ظهر في تقرير المجلة، فإن المؤسسات التي تديرها السيدة أسماء أقوى من المؤسسات السورية كلها، بما فيها مؤسسة الرئاسة. ومنذ ذلك الحين، بدأت تختفي الرموز المالية والاقتصادية والعسكرية في سوريا تباعاً، لتحل محلها أذرع السيدة أسماء. وقد كان أول ضحايا الصعود الصاروخي لعقيلة الرئيس السيد رامي مخلوف الذي كان مجرد ذكر اسمه في سوريا كافياً ليجعل الجميع يقفون باستعداد على رجل واحدة، فهو سيد بيت المال، والواجهة الاقتصادية والمالية الأولى للنظام، والكل يأتمر بأوامره ويخر ساجداً أمام مشاريعه، ناهيك عن أن السيد مخلوف كان بالإضافة إلى سطوته المالية والاقتصادية في الشارع السوري، كان يحظى بشعبية منقطعة النظير في أوساط الغالبية العظمى في الساحل السوري، لأنه كان يقدم دعماً كبيراً للمحتاجين الذين يشكلون الحاضنة الشعبية للنظام. لكن في ليلة ليلاء، انقضّت السيدة أسماء على رامي مخلوف وكل شركاته، وجردته من معظم أملاكه، ليتحول المسكين بين ليلة وضحاها إلى واعظ على باب الله، لا شغل له إلا الدروشة الدينية ونشر الفيديوهات الوعظية الإرشادية التي أثارت سخرية السوريين وشماتتهم في آن معاً.
لقد تحول رامي من عملاق مالي واقتصادي مخيف إلى درويش منتوف الريش. ثم توالت غزوات السيدة أسماء على مرابع الحيتان العلويين الكبار من ضباط ووجهاء وأصحاب المليارات، فبدأوا يتساقطون الواحد تلو الآخر، بعد أن شاهدوا أكبر رأس مالي في سوريا وقد تحول إلى شحاذ. فجأة اختفى آل شاليش أقرباء الرئيس عن المشهد، وعندما توفي أشهر مرافقي الرئيس وهو ذو الهمة شاليش، لم تذكر عائلته في ورقة النعوة اسم الرئيس، وقد كان ذلك مؤشراً على الشرخ الذي بدأ يحصل بين عائلة الأسد وبقية أقاربه من العائلات التي كانت تحكم قبضتها على كل المجالات في سوريا.

وقيل وقتها إن السيد ذو الهمة شاليش قد مات كمداً بعد أن جردته السيدة أسماء من ملياراته التي جناها (بعرق جبينه). ومن المعروف أن ذو الهمة كان لديه بنكه الخاص، حيث كان يرفض إيداع المليارات في البنوك الرسمية، وكان بدلاً من ذلك يضعها في عمارات كبيرة خاصة به. وحتى كبار رجال الأعمال والرأسماليين السوريين غير العلويين القريبين من عائلة الأسد في سوريا، لم ينجوا من غزوات السيدة أسماء، فلم يبق حوت كبير إلا وجردته من أمواله وممتلكاته، بمن فيهم المقربون من شقيق الرئيس. ولا يمر أسبوع إلا ونسمع عن هروب أحد الحيتان الكبار أو الاستيلاء على ممتلكاته. لقد أصبح الاقتصاد والمال كله في أيدي عقيلة الرئيس كما جاء في تقرير المجلة البريطانية، وحتى أن السوريين لا يمكن أن يحصلوا على أي سلعة أساسية كالزيت والسكر والخبز والبنزين والمازوت إلا عن طريق الشركات التابعة للسيدة أسماء.
لم يعد أحد قوياً في سوريا سوى السيدة الأولى، وقد أصبح حتى كبار ضباط الجيش والأمن مجرد طراطير، فهي اليوم قادرة على تركيع أكبر ضابط، بعد أن باتت تهز الجيش بيمينها وقوى الأمن بيسارها. هل يستطيع أي ضابط كبير اليوم أن يرفض أي طلب للسيدة أسماء؟ بالمشمش طبعاً، فهم صاروا جميعهم تحت قبضتها، ولا شك أنهم اتعظوا بعد أن شاهدوا ما حصل لرامي مخلوف وهو من عظام رقبة العائلة الحاكمة، فما بالك بالعائلات الأقل قرباً من عائلة الرئيس.

لقد هزّت السيدة أسماء تركيبة النظام المالية والاقتصادية والعسكرية والأمنية بشكل غير مسبوق، وقلبته رأساً على عقب، وبدلت الكثير من الرموز وأطاحت العديد من الرؤوس الكبيرة والحامية، ولم تعد كلمة «العلويين» هي العليا في قصر المهاجرين، وأخبارها ونشاطاتها وفعالياتها تتقدم على الجميع، وأي قرار يصدر ويتخذ، حتى على مستوى تعيين كبار الجنرالات الأمنيين، أو عزلهم، في حاجة لمراجعة وانتظار ورأي من «الرئيس الخفي». كما غيّرت في بنية النظام أكثر مما فعلت كل فصائل وجماعات المعارضة مجتمعة على مدى سنوات الحرب. إن التغيير الحقيقي الذي يحصل في سوريا منذ سنوات بدون ضجة تقف وراءه السيدة أسماء، وهو بمثابة أول انقلاب حقيقي على النظام منذ (الحركة التصحيحية) التي قادها مؤسس النظام الرئيس حافظ الأسد عام ألف وتسعمائة وسبعين وأنهت موجة الانقلابات في سوريا.

ولعل أكبر المتضررين والمرعوبين اليوم من انقلاب القصر الناعم الذي تقوده السيدة أسماء هم العلويون تحديداً، الذين بدأوا يتلمسون على رؤوسهم وخاصة كبار جنرالات الأمن المرعبين الذين باتوا يتوددون لوجهاء العائلات الجديدة الصاعدة، ويطلبون ودّهم ووساطتهم، وينتظرون دعمهم ورضاهم و«تزكيتهم» عند «السيدة الأولى»، كما ينتظرون، بنفس القدر، ما ستغدقه عليهم من «عطاءات» و«فتات» بعدما آلت ثروة آل الأسد ومخلوف وشاليش، والتي جمعوها على مدى خمسين عاماً، إليها وباتت في جعبتها، وقد تلاشت قبضتهم العسكرية والأمنية والمالية والاقتصادية على البلاد بعد أن كدست السيدة أسماء كل السلطات، كما الثروات، في يديها وأصبحت الحاكمة بأمرها في بلاد الشام، وجعلت كبار ضباطهم، من أصحاب الشوارب والهيلمان، يقفون بالطابور لمقابلتها كتلاميذ صغار، ويلوذًون بالصمت خوفاً من سياطها القاتلة وسخطها على من ينبس بحرف ضدها. ولو أجريت اليوم استفتاء سرياً في أوساط العلويين بسوريا، لأدركت مدى حقدهم على السيدة الأولى، لكنها لا تخشاهم، فهي تستمر في حملتها التاريخية كالبلدوزر الذي يدهس كل من يأتي تحت جنازيره. لقد قال أحد الباحثين العلويين في جلسة خاصة: « إن أسماء الأسد ستدخل التاريخ السوري من أوسع أبوابه باسم السيدة الحديدية التي أنهت حكم العلويين في سوريا دون أن تطلق رصاصة واحدة،» وها هي تكتب نهايتهم فعلاً مع تساقط وإسقاط وقطف الرؤوس الكبيرة، رأساً وراء رأس.

 

 


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...