د.ياسين جلوني.
يعرف التدين بأنه الترجمة الفعلية للتصورات والقيم الدينية المجردة ومحاولة تمثلها في الواقع في شكل ممارسة وسلوك ومواقف، فطالما تعددت أشكال التدين وأنماطه لدى المسلمين بتعدد أفهامهم للإسلام، واختلافهم في الإجابة بشكل دقيق عن سؤال -ماذا يريد الله تعالى من عباده؟ هو الذي أدى إلى بروز أنماط مختلفة من التدين.
المجتمعات المسلمة المعاصرة تنوعت فيها أشكال التدين (سلفي، حركي، تبليغي، صوفي، شعبي، رسمي، تقليدي، تنويري…) فنجد أن التدين السلفي يركز على تفاصيل العبادة وإبراز مظاهر التدين في اللباس والمظهر، ويجتهد في أداء العبادات بنوافلها وتجنب الوقوع في “الشبهات”، أما التدين الصوفي فيركز على صفاء الروح والسريرة، ويتخذ فهما بسيطا للدين يختزله في ثنائية التزكية والتخلية، ويتخذ بذلك طرقا صوفية متعددة، أما التدين الحركي فيجعل من الحركة داخل المجتمع والانخراط في معاركه والاشتباك مع قضاياه جزءا من مشروعه الدعوي، دون إغفال للجوانب التربوية والتعبدية العامة.
قد لا يسعنا الوقت للتفصيل في شرح أنماط التدين الحاضرة في مجتمعاتنا، وتحليل عناصر التداخل والاختلاف بينها، إلا أنه منذ معركة طوفان الأقصى ظهر شكل جديد من التدين، وهو التدين العلماني.
لا نقصد هنا بالتدين العلماني بتدين الإنسان العلماني، بل بالتدين الذي ينسجم مع الأطروحة العلمانية ويتبنى دينا معلمنا دون أن يدري بذلك، وهنا سنعتمد على تعريف المسيري للعلمانية الشاملة التي هي فصل الدين عن الحياة، لكن يبقى السؤال، كيف ذلك؟
بكل بساطة التدين العلماني هو التدين الذي يعزل المسلم عن واقعه وواقع أمته، هو الذي لا يهمه ما يقع للمسلمين في فلسطين من إبادة جماعية، ولا يهمه ما يقع في العالم من تحولات، لا يستشعر الظلم الذي يعيش فيه في ظل أنظمة سياسية استبدادية، ولا يحس بحالة التخلف التي تعيشها الأمة، لا يتحسر على واقع الطبقية والفقر والتفاوتات المهولة بين المعدمين والمترفين، لا يحمل قضية ولا هما تجاه مجتمعه وأمته. هو تدين يختزل الدين في الشعائر التعبدية لا غير، ويفصل الدين عن الواقع والحياة، ولا تأثير لتدينه في واقعه وفي تصوراته ومواقفه.
إنه تدين يجعل صاحبه ينأى بنفسه عما يجري للمسلمين في فلسطين وفي غزة، لا يهتم بما يقع لهم، ولا يطرح السؤال عن هذا العجز عن نصرتهم وإنصافهم، لا يتأمل في القضية ولا يتألم لحال المسلمين المأزومين، فهم لا يستحقون في نظره حتى أن يتم ذكرهم في خطبة جمعة، ولا حتى أن يذكر القضية عرضا في موعظة من المواعظ، لن تسمع منه دعاء نصرة لهم، ولن ترى منه موقفا مشرفا تجاه هذه القضية التي تحرك لها أحرار العالم من كل الديانات والجنسيات والقوميات. وفي الوقت الذي يحشد فيه الأحرار في العالم الغربي لحملات مقاطعة الشركات الداعمة للكيان الصهيوني، تجده يتزاحم على المحلات والعلامات التجارية الداعمة للشر المطلق الذي يمثله الكيان الصهيوني.
ومن بركات طوفان الأقصى أن فتح أعين شباب الغرب وشيوخهم أمام النموذج الغربي والقيم التي تؤطره في السياسة والاقتصاد، ورعايته للظلم العالمي، واستغلاله لمقدرات والشعوب واستبلاده لوعي الناس، في نفس الوقت الذي كشف لنا فيه نموذج التدين العلماني الذي يتبناه مجموعة من الدعاة والوعاظ على اختلاف أشكال تدينهم، والذين يأنفون عن الحديث عن القضية الفلسطينية ولا تجد في أدعيتهم المطولة حيزا للدعاء لاخواننا المستضعفين في غزة. فأين هؤلاء من حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم)، وأين هؤلاء من روح الإسلام التحررية.
فمن حقائق الاسلام البارزة أنه دين تحرير، تحرير الإنسان من جميع أشكال الاستعباد والاستعمار والاستبلاد، وتحقيق المساواة بين بني آدم تحت مظلة توحيد العبودية لله تعالى وحده، تحرير من الظلم والجهل والفقر والتخلف “الجاهلية”، كما عبر عن ذلك الصحابي الجليل جعفر بن أبي طالب للنجاشي ملك الحبشة: (أيها الملك ! كنا قوما أهل جاهلية نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، يأكل القوي منا الضعيف، فكنا على ذلك حتى بعث الله عز وجل إلينا نبيا ورسولا منا، نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه، فدعانا إلى الله عز وجل لنوحده ونعبده، ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكف عن المحارم، والدماء، ونهانا عن الفواحش، وقول الزور، وأكل مال اليتيم وقذف المحصنة، وأمرنا أن نعبد الله لا نشرك به شيئا، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام والحج من استطاع إليه سبيلا) وكما عبر عنه كذلك الصحابي الجليل ربعي بن عامر لرستم حين قال: (الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عباده من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام).
هو الإسلام الذي ملأ به رسولنا الكريم محمد صلى الله عليه وسلم الأرض عدلا، وأقام به المسلمون إمبراطوريات عظيمة، وبنوا حضارة شامخة، هو الدين الذي أتى رحمة للعالمين، ولتدويل العدل والحرية والمساواة، وإقامة منظومة قيم تسود العالم أجمع.
وهذا ما يفسر بالفعل تعرض الدعوة المحمدية للاضطهاد والحصار والمحاربة منذ بداياتها الأولى، فلو كانت دعوة النبي الكريم مختزلة في عبادات وعقائد وشعائر محدودة لما تعرضت دعوته لكل هذا القمع، فكفار قريش لم تكن مشكلتهم مع الشعائر التعبدية، بل مشكلتهم مع الدعوة التحررية التي ستقضي على مصالحهم السياسية والاقتصادية في المنطقة بحكم استفادتهم من الوضع القائم على الظلم والعبودية والطبقية.
وهو ما يفسر كذلك استمرار محاربة الاسلام من طرف أمريكا وحلفائها في الغرب الاستعماري الامبريالي الرأسمالي، واعتبارهم له عنصر تهديد لمصالحهم، فهم يقودون العالم وفق منظومة مبنية على الظلم والعدوان، على الاستغلال والنهب، على الكذب والتزوير، على التفرقة والتفكيك، فهم يخافون من الاسلام الذي سيوحد المسلمين تحت إطار “الأمة”، والاسلام الذي تؤطر قيمه السياسة والاقتصاد والاجتماع والثقافة. أما التدين الشعائري المحض لا يخاف منه أحد، لأنه لا يهدد مصالح أي أحد، كما قال سيد قطب رحمة الله عليه: (إنهم يريدون إسلاماً أمريكياً يستفتى فى نواقض الوضوء، ولكنه لا يستفتى فى أوضاع المسلمين السياسية والاقتصادية والاجتماعية والمالية).
الغرب الصهيوأمريكي لا يهمه التدين السلفي ولا الحركي ولا الصوفي… لكن ما يزعجه هو أن تتبنى الشعوب التدين التحريري التحرري، وأن ينقلب الدين من أداة في يد الأنظمة الاستبدادية لإخضاع الشعوب، إلى دين تتبناه الشعوب لتتحرر من ربقة الاستبداد والاستعمار والاستبلاد، وهنا نستحضر إحدى مقولات المفكر علي شريعتي رحمة الله عليه (الدين الذي لا ينفع الناس في دنياهم لن ينفعهم في أخراهم)، وأعطى هذا الأخير مثالا واقعيا عما نعيشه اليوم في ظل انقلاب الأولويات في ميزان الوعي الديني لدى المسلمين اليوم (عندما يشب حريق في بيتك ويدعوك أحدهم للصلاة والتضرع إلى الله فاعلم أنها دعوة خائن.. لأن الاهتمام بغير إطفاء الحريق والانصراف عنه إلى عمل آخر هو الاستحمار حتى وإن كان عملا مقدساً)
ومهما طال الزمن أو قصر، لابد لليل أن ينجلي ولا بد للقيد أن ينكسر.





