الانسداد السياسي بالمغرب: أزمة نظام أم أزمة نخب؟ (2)

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

ياسين جلوني

 

 

في الجزء الأول من مقالنا هذا، تفرغنا للحديث باختصار وإيجاز عن هامش مسؤولية النظام السياسي في واقع الانسداد السياسي الذي يعيشه المغرب، على أساس أن نخصص هذا الجزء للحديث عن مسؤولية النخب في ذلك، ولكن قبل ذلك هناك من سيتساءل، لماذا اقتصرنا فقط على مسؤولية النظام ومسؤولية النخب دون غيرهما؟ وما المقصود بالنخب؟ وما آليات تجاوز واقع الانسداد السياسي الذي تعرفه بلادنا؟
ثنائية النظام السياسي والنخب المجتمعية مردها للصراع التاريخي بين الدولة والشعب، فنتائج هذا الصراع هي التي تفرز منطق تدبير السلطة بين استبدادية في حال غلبة الدولة، وبين ديمقراطية في حال غلبة الشعب.
أما النخب فنقصد بها النخب المجتمعية التي هي إفراز طبيعي لطاقات وأصوات من المجتمع تحمل الهم الجماعي في رد الظلم عن الشعب والدفاع عن مصالحه وتحقيق الرفاه والنماء لأبنائه. إنها الفعاليات الوطنية التي نذرت حياتها ووقتها ومالها وجهدها للحديث باسم الشعب وآماله وآلامه والنضال من أجل الانتصار لحقوقه ومكتسباته، وتوفير ظروف عيش كريم له وللأجيال المقبلة. هذه النخب قد تكون ذات صبغة سياسية حزبية أو نقابية، أو ذات صبغة ثقافية أو إعلامية، والنادر هي من تكون ذات صبغة اقتصادية ومالية، نظرا لكون هذا المجال مغلقا ومحتكرا ومتحكما فيه بالكامل من طرف النظام السياسي، فنادرا ما تجد نخبا اقتصادية وطنية معارضة للنظام الحاكم خوفا على مصالحها.
نخب الشعب المغربي تحكمه توجهان أساسيان: التوجه الثوري والتوجه الإصلاحي، وضمن كل توجه هناك اختلاف في درجة الثورية والاصلاحية، واختلاف كبير في الخلفية الفكرية والإيديولوجية المؤطرة لهذين التوجهين.
النخب الثورية
يتميز أبناء هذا التوجه بفهمهم الدقيق والعميق والواقعي لبنية النظام السياسي المغلقة الغير متقبلة لفكرة الإصلاح، فهذا ما يجعلهم في صف المعارضة والرفض التام للانخراط في العملية السياسية، فهذه النخب تجد أن اللغة التي يفهمها النظام السياسي هي لغة الشارع والاحتجاج، فالعملية السياسية في نظرهم كلها مفبركة ومتحكم فيها ولا مجال للتغيير عبرها، لكن طبيعة الخطاب الثوري الذي تنتجه هذه النخب يجعلها معزولة وغير مدعومة شعبيا، فالشعب المغربي رغم كونه متذمرا من الأوضاع المعيشية ومن فساد المسؤولين وانعدام الثقة والمصداقية في العملية السياسية إلا أنه ليس متحمسا كفاية للخطاب الثوري الذي يتجاوز فيه سقف النقد الحكومة لمساءلة ما فوق الحكومة.
النخب الإصلاحية
الإصلاحيون المغاربة لا يجدون بديلا عن المشاركة في العملية السياسية، فهم يؤمنون بأن لا تغيير قد يأتي من خارج اللعبة السياسية، وأن الإصلاح ممكن بالتدريج والتراكم وتدعيم المؤسسات وتحقيق التقارب بينهم وبين المؤسسة الملكية، ما يجعل خطابهم الأكثر قبولا من طرف الرأي العام المغربي عكس الخطاب الثوري، إلا أن أبناء التوجه الإصلاحي في المغرب يفتقدون لقراءة واقعية ودقيقة لطبيعة النظام السياسي، ويبنون آمالهم على حسن الظن بصانعي القرار السياسي، ويعدمون هامش الحركة من داخل البنية السياسية، فمشاركاتهم واجتهاداتهم لا تعدو في كثير من الأحيان إلا أن تكون وسيلة لتثبيت الطبيعة الاستبدادية والتحكمية لنظام الحكم، فبعضهم ينصهر مع بنية النظام الحاكم ويصبح مدافعا شرسا عنه، وبعضهم الآخر رهانه الحفاظ على استقلالية قراره الحزبي واستمراره في البقاء في الساحة لا غير. حيث أن سقف الإصلاحيين محدود جدا، وأغلبهم غير مستعد للتضحية سواء أمام إغراءات السلطة والمنصب، وسواء أمام القمع والتهميش.
فخلاصة الأمر أن الثوريين المغاربة يفتقدون براغماتية وشعبية الإصلاحيين، أما الإصلاحيون فيفتقدون لجرأة وصلابة الثوريين. وعلى العموم فالنخب المغربية على اختلافها تعاني من أربعة أعطاب أساسية:
التفرقة وتشتيت الجهود في المعارك الأيديولوجية الفارغة.
ضعف البنى التنظيمية لهذه النخب وقابليتها للاختراق.
غياب حاضنة شعبية لهذه النخب في هذه اللحظة بالذات (أغلب الشعب المغربي لم يعد يبال بنخبه وبأحزابه).
غياب رؤية واضحة عن الأفق السياسي المنشود والبديل المنتظر المأمول.
ما المطلوب من النخب لاستعادة المبادرة؟
لإعادة موازين القوى لصالح النخب المجتمعية ينبغي لهذه الأخيرة تجاوز الأعطاب السابقة والعمل على:
أولا
تجاوز الخلافات والتناقضات فيما بينها والتواضع على أرضية مشتركة، من خلال جعل الديمقراطية أولوية الأولويات، وتأجيل الخلافات الحالية والسابقة إلى ما بعد تحقيق الحلم الديمقراطي، في إطار ما كان يسميه الجابري الكتلة التاريخية.
ثانيا
الاتفاق على تشخيص دقيق ومفصل لبنية النظام السياسي وأبعاد الأزمة السياسية الحالية، وهو ما سيكون المرجع الأساس لنحت أي تصور جماعي لشروط وظروف تجاوز حالة الانسداد السياسي وتحقيق خطوات مهمة في مسلسل الإصلاح أو التغيير.
ثالثا
تحديد سقف عملي للتغيير وقابل للتحقق، أي الصياغة الجماعية للبديل السياسي المنتظر، وذلك من خلال التحديد التفصيلي للمسميات والمعاني، والاتفاق على الأشكال والملامح، فالحديث بلغة فضفاضة مليئة بالعموميات لم يعد كافيا، والنضال دون سقف ليس ذا جدوى، وتجربة حراك عشرين فبراير ليست عنا ببعيد.
رابعا22
العمل على تأطير المجتمع والتأثير فيه بإقناعه بالبديل والنضال من أجله بغية إشراك كافة أطياف المجتمع في تحقيق هذا الحلم المنشود، وطرح هذا البديل أمام النظام الحاكم، وبناء تعاقد سياسي جديد، قوامه التوافق على قواعد سياسية جديدة تتبنى الخيار الديمقراطي بشكل يحفظ الكرامة، ويضمن الحرية والعدالة، على أن تبقى الوسائل لتحقيق ذلك متروكة حسب الظروف والوقائع، وحسب موازين القوى.
من يرجع لواقع النخب اليوم، ويتذكر حال التفرقة والتشرذم الذي تعيشه، وحجم الأضغان التي تحمله تجاه بعضها، سيرى هذه المقترحات من أحلام ما بعد العصر، والحال أن لا حل لنا إلا أن نتصور الحلول وننظر لها وفق المتاح، فإن لم تستطع نخب اليوم تجاوز أخطائها وتناقضاتها وصرف جهدها للمعركة الكبرى ألا وهي معركة الديمقراطية، فإن شعوبنا لن تكون عقيمة لإنتاج نخب جديدة، أو تجاوز منطق النخب لمنطق آخر يكون له فيها التأثير الأكبر دون نخب قد يتم التلاعب بها أو إغراؤها، أو شراؤها أو قمعها وتخويفها.
أما مساهماتنا في التحليل والكتابة فهي محاولات بسيطة لتشخيص الواقع وتصريف المواقف للتاريخ، وتأريخ الأفكار، وتحقيق التراكم، لعل وعسى أن يأتي جيل أو أجيال تتجاوز أخطاء الماضي وعثرات الحاضر، وتنجح فيما قد يراه البعض اليوم حلما بعيدا المنال.
وتحضرنا هنا مقولة عبد الرحمن اليوسفي رحمة الله عليه :”نتمنى أن لا نفقد في المستقبل القريب ملكة الحلم والقدرة عليه”
فمهما طال الزمن أو قصر
لابد لليل أن ينجلي ولابد للقيد أن ينكسر

إيطاليا تلغراف

 


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...