“الإنسان وصناعة التاريخ”

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

د.ياسين جلوني

 

 

عرفت سنة 2024 التي للتو ودعناها أنها سنة التحولات الكبرى والأحداث العظيمة في مسار التاريخ والبشرية، سنة استمرت فيها آلة الحرب الصهيونية الجبانة في اقتراف ما لا يتصوره عقل آدمي من جرائم لا تخطر على بال، وهو ما قوبل بصمود أسطوري من طرف شعب أعزل مازال يقاوم إلى حدود اللحظة.
سنة أظهرت للعالم أن إسبانيا الأوروبية وجنوب إفريقيا الإفريقية أكثرإسنادا لشعب غزة وفلسطين من دول عربية قرر بعضها الصمت، وقرر بعضها الآخر إسناد العدو الصهيوني بالإمداد والطعام وحصار غزة.

سنة تأثرت فيها العديد من الانتخابات في العالم بما يجري في أولى القبلتين، انتخابات فرنسا وبريطانيا واليابان والولايات المتحدة الأمريكية.
سنة لم تنته حتى تحررت سوريا من نظام ديكتاتوري جثى على صدر الشعب السوري لأزيد من نصف قرن، سوريا التي كانت نذير شؤم كل من يحلم بالتغيير في الدول العربية، كانت فزاعة استعملتها الأنظمة المستبدة العميلة لرد كل مطالب بالاصلاح أو بنصفه وليس بإسقاط النظام.
إن أهم درس استفدناه في هذه السنة التي مضت هي أن الإنسان هو الفاعل الأساسي في التاريخ، وهو من يصنع التاريخ إن أراد، فهناك إنسان وإنسان، هناك إنسان يقبل بالمتاح له، ويندمج في ظل المنظومة التي وجد عليها آباءه وأجداده، فهو يصير إنسانا مفعولا به في حركة التاريخ، ويعيش بذلك على هامش التاريخ، يخضع لتقلبات مناخه وينضبط لقرارات صانعيه، وهذا حال أغلب الشعوب في العالم، التي تتفرج على أفضع إبادة بشرية في التاريخ، لكنها قبلت أن تكتفي بالتفرج والمشاهدة من بعيد، والخضوع لأسيادها الذين يمدون الإبادة بالطاقة والسلاح.

أما الإنسان الذي يصنع التاريخ فهو الإنسان الذي يأبى أن يخضع لفراعنة العالم الذين ينهبون ثرواته ويخضعونه لنزواتهم ورغباتهم، هو الإنسان الذي يريد أن يكون كما خلقه الله، أن يكون حرا مريدا فاعلا في التاريخ، أن يرفض الظلم والفساد، هذا الإنسان رأيناه مرارا وتكرارا خلال السنة الماضية على شاشات هواتفنا وتلفزاتنا، إنه الإنسان الغزي الفلسطيني الحر المقاوم الصامد، والذي لم يكتفي بالدعاء على مستعمريه وظالميه، بل قاومهم بدمائه، وما زال يقاوم ويصمد إلى آخر الرمق، دون أن ننسى رمزا من رموز هذه المقاومة، والذي لم يكتف أن يكون في قمرة القيادة، وخلف شاشات المتابعة والمراقبة، وفي غرف التخطيط، بل حمل السلاح بيده وتقدم في جبهات المعركة وأثخن في العدو حتى لاقى الله شهيدا، فهو لم يكتف بصناعة التاريخ بخططه وهندسته للمعارك والمفاوضات، بل صنع التاريخ بندقيته وعصاه التي ألقاها في رمقه الأخير.
فعلا هذا الإنسان آية من آيات الله، فالله تعالى خص الإنسان وحده بحرية الإرادة وقدرته على التغلب على نزواته وغرائزه، وإن أول غريزة تولد مع الإنسان، هي غريزة البقاء، فالإنسان الذي يؤمن بالله ولا يخاف إلا لله سيسترخص روحه وحياته من أجل حريته وكرامته.

إن هذا الإنسان هو من يصنع التاريخ بدل أن ينتظر التدخل الإلهي، هو الإنسان الذي استوعب أن زمن المعجزات قد مضى، وأن لا معجزة تخرج من نطاق فعله واجتهاده ونضاله.
هذا المشهد سيحيلنا كذلك على الإنسان السوري الحر المقاوم، الذي آمن بنفس المنطق والمبدأ، وأن لا شيء يأتي دون تضحيات ودون إعداد ودون اغتنام للفرص، هو الإنسان الذي نسيه الرأي العام الدولي وأصبح يطبع مع جلاده وظالمه، هو الإنسان الذي عانى من التقتيل والتشريد والتهجير والتعذيب، لكن كل ذلك لم يفقده الإرادة على قلب الطاولة وقلب الموازين، واستعاد حريته بعد أزيد من عقد من النضال والصمود والمقاومة، فهو الذي فطن كذلك أن التاريخ إما أن تصنعه أو تكون على هامشه، فلم ينتظر المعجزات بل بادر إلى صناعتها.
هذا هو حال البشرية، ومن يقرأ التاريخ يفهم أن له قوانين وسنن ثابثة لا تحابي أحدا، وأن صراع الظلم والعدل ماض إلى قيام الساعة، وأن مسؤولية الإنسان تقتضي أن يختار موقعه من هذا الصراع، وأن يؤمن بعمق أن الكرامة أغلى ما يملك، أما الخضوع للأمر الواقع لن يجعلنا إلا كالخراف التي تعدم الإرادة وتنتظر دورها في المجزرة.
تعداد البشرية اليوم تجاوز ثمانية ملايير، بضعة آلاف منها فقط تتحكم في ثروات ورقاب تلك الملايير، إلا من أن أبى منها أن يكون من الخراف، وأراد أن يقاوم ويأخذ بزمام المبادرة ليصنع التاريخ كما يريده هو وليس كما تريده الشرذمة الحاكمة للعالم.

لطالما تحاول تلك الشرذمة أن تقنعنا عبر إعلامها أن زمن الأبطال والأساطير قد ولى، وأن لا بطل إلا أبطال الرياضة التي ترمز لهم، وأن لا أسطورة إلا أساطير الأفلام والمسلسلات، وأن صناعة التاريخ يكون فقط في مباريات كرة القدم، أما الحديث عن قادة التغيير والمصلحين فهو من ضرب الخيال، إلا أننا خلال هذه السنة التي مضت عشنا فيها مع شخصيتين جسدتا ذلك الإنسان المتحرر الناهض من تحت الركام ليغالب إرادة تلك الشرذمة ويصنع الملاحم بيده، إنها شخصية الإنسان الفلسطيني الغزي يحيى السنوار وشخصية الإنسان السوري الثائر أحمد الشرع.
على أمل أن تكون وقائع هذه السنة التي ودعناها ملهمة لبقية البشر الساعين للتحرر من ربقة الاستعمار والاستبداد والاستبلاد.

“إذا الشعب يوما أراد الحياة
فلابد أن يستجيب القدر
ولابد لليل أن ينجلي
ولابد للقيد أن ينكسر”

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...