الانسداد السياسي في المغرب: أزمة نظام أم أزمة نخب؟

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

 

د.ياسين جلوني

 

 

 

منذ بداية تشكل النظام السياسي في المغرب بعد الاستقلال الشكلي منتصف خمسينيات القرن الماضي إلى حدود كتابة هذه الأسطر، لم ينعم الشعب المغربي بعد بنظام سياسي ديمقراطي يحترم كرامة المواطن ويوفر له الحرية والعدالة الاجتماعية، فالمغاربة عانوا وما زالوا يعانون من استفحال الفساد والاستبداد، المسؤولان عن إيقاف عجلة التنمية واهدار مقدرات البلد وثرواته.

فهل تراجع المغرب كل سنة في مؤشرات التنمية البشرية، والقهر الذي يعانيه أبناء هذا الوطن الحبيب مرده لنظامه السياسي الذي لم يطرأ على بنيته أي تغيير أو إصلاح منذ أن غادرت فرنسا الاستعمارية بلادنا؟ أم ذلك راجع لنخبه السياسية التي لم تنجح في ترجمة أحلام الشعب وطموحاته وآماله إلى واقع ملموس؟

نظام سياسي جامد ذو بنية مغلقة

إن تحليل طبيعة النظام السياسي المغربي أصعب من أن يختزل في مقال أو دراسة، بل يتطلب مجهودا كبيرا لتفكيك بنية هذا النظام السياسي العريق والمتفرد، ولأن المجال ضيق في سياقنا هذا سنقتصر على الحديث عن بعض ملامحه البارزة التي ستعيننا على فهم واقع الانسداد السياسي.

يعتبر الحسن الثاني مهندس النظام السياسي المغربي بحلته الجديدة، فبعد التوترات والصراعات على شرعية الحكم في المغرب بعيد الاستقلال الشكلي في ظل حكم سلفه محمد الخامس، انفرد الحسن الثاني بتشكيل نظام سياسي مغلق مركب من بنيتين: بنية قديمة تقليدية وعريقة (المخزن) والتي تشكلت عبر تراكمات أعراف وتقاليد حكم امتدت لقرون، وبنية حديثة مستوردة ظاهرها مؤسسات الحداثة السياسية من دستور وبرلمان وحكومة وإدارة، وروحها روح بيروقراطية فرنسية. فالنظام المغربي تشكل بتحالف المؤسسة الملكية والجهاز المخزني التقليدي مع رموز الاستعمار وحلفائه والمتعاونين معه الذين تركتهم فرنسا لخدمة مصالحها، أو كما يروى أن فرنسا اشترطت ذلك لمنح المغرب استقلاله الشكلي، فبدايات النظام السياسي المغربي دشنه الحسن الثاني باستيراد دستور ممنوح من فرنسا (دستور 1962) وبأجهزة أمنية وعسكرية يرأسها وكلاء فرنسا (أوفقير).

تميز نظام الحكم في المغرب بكونه حكما مركزيا فرديا يمسك فيه الملك الذي هو رئيس الدولة بكافة السلط والصلاحيات، ويمارسها عبر جهاز إداري بيروقراطي يتمثل أساسا في وزارة الداخلية، وبقية المؤسسات التنفيذية للدولة، أما المؤسسات المنتخبة من برمان وحكومة ومجالس جماعية تظل فيها الصلاحيات محدودة ومقيدة من طرف الجهاز الإداري (وزارة الداخلية)، فمهما صعدت أو نزلت في السلم الإداري للدولة ستجد دوما المسؤول المنتخب خاضعا لسلطة المعين.

هكذا كان ولا يزال نظام الحكم في المغرب، ظل نظاما جامدا عصيا على الإصلاح أو التغيير رغم الصياغات الدستورية المتتالية، ورغم انتقال العرش من ملك إلى آخر، ورغم تغيير الحكومات وأوجهها وأحزابها، ورغم تغيير كبار مسؤولي الدولة. كما لو أن هذه الدولة تسكنها روح ثابتة ويحكمها عقل جامد.

ألم يعرف النظام السياسي المغربي محاولات إصلاحية؟

هذا سؤال له وجاهته، فبرجوعنا إلى التاريخ السياسي للمغرب، فقد مرت بلادنا بثلاث محاولات إصلاحية، الأولى مع حكومة عبد الله إبراهيم (1958-1960)، الثانية مع حكومة عبد الرحمن اليوسفي (1998-2002) والأخيرة مع حكومة عبد الإله بنكيران (2011-2016).

المحاولة الإصلاحية الأولى كانت الأكثر أثرا وجدية، فقد كانت تسعى لتحرير البلاد من هيمنة فرنسا الاستعمارية ووكلائها، وتقاسم السلطة بين الحركة الوطنية والمؤسسة الملكية بما يشبه الملكية البرلمانية، فهي محاولة إصلاحية تمس بنية النظام السياسي وليس فقط واجهته. ولهذا السبب بالضبط فقد عرفت هذه المحاولة أعداء كثر تهددت مصالحهم بذلك، مما عجل بإسقاطها بسرعة بعد تدخل الحسن الثاني لدى محمد الخامس طالبا إياه بالتعجيل بإسقاط الحكومة، ليتم التمهيد للحكم الفردي بعد وفاة محمد الخامس بعد أقل من سنة من إسقاط حكومة عبد الله إبراهيم.

أما المحاولة الإصلاحية الثانية والثالثة فقد كانتا بضغط من عوامل داخلية وخارجية: سقوط جدار برلين، انتقال العرش وتقرير السكتة القلبية بخصوص حكومة عبد الرحمن اليوسفي، الاحتقان الاجتماعي ورياح الربيع الديمقراطي التي أتت بحكومة عبد الإله بنكيران.

فبمجرد انتفاء هذه العوامل، تغلق نوافذ الانفتاح السياسي بسرعة وتعود حليمة إلى عادتها القديمة.

النظام السياسي المغربي جيناته لا تقبل الإصلاح

إذا دققنا في تفاصيل المحاولات الإصلاحية في المغرب سنجد أن النظام السياسي لا يحمل في بنيته أي تقبل لفكرة الإصلاح السياسي، وذلك راجع لكونه ذا بنية مغلقة وجامدة، يبقى رهانه هو ضمان مصالحه واستمرار وجوده، أما تنمية البلاد والعباد، وتحرير الشعب من غلاء المعيشة وتدهور الخدمات الاجتماعية فهي خارج أجنداته. فمفهوم الاستقرار في المغرب مرتبط باستقرار أوضاع الطبقات الحاكمة ونمو أرصدتها البنكية ومصالحها السياسية والاقتصادية، أما الأوضاع الاجتماعية للشعب المغربي فهي في تراجع يوما بعد يوم.

كل شيء يتغير في المغرب من أجل أن لا يتغير أي شيء

ما تحدثنا عنه في هذه السطور يعود بنا إلى ما صرح به جون واتر بوري قبل ما يزيد على خمسة عقود من الزمن من كون أن كل شيء يتغير في المغرب من أجل أن لا يتغير أي شيء، فهذه الجملة أدق تعبير عن كون جينات النظام السياسي المغربي لا تقبل شيئا اسمه الإصلاح أو التغيير، فكل شيء يتغير إلا الوضع السياسي في بلادنا يظل بنفس الجمود والركود الذي قد تتخلله بين الفينة والأخرى بعض نسائم الحرية التي يفتح لها النظام السياسي النوافذ اضطرارا في ظل ظروف ضاغطة داخليا وخارجيا، إفساحا لمجال ضيق محدود للتنفيس بعدها تغلق النوافذ من جديد وتستمر الأوضاع في النوم العميق.

حسبنا في هذه الفقرات أننا حاولنا الإجابة على السؤال المرتبط بمسؤولية النظام السياسي في المغرب في واقع الانسداد السياسي الذي تعيشه البلاد، وأرجعنا ذلك لبنية النظام السياسي المغلقة والجامدة التي تنعدم لديها القابلية للإصلاح، كما جاء على لسان الصحفي خالد الجامعي ذات يوم ” المخزن يُكَيِّف ولا يُكَيَّف”.

في حين يبقى السؤال المرتبط بحدود مسؤولية النخب للجزء الثاني من مقالنا هذا.

ومهما طال الزمن أو قصر

لابد لليل أن ينجلي    ولابد للقيد أن ينكسر

إيطاليا تلغراف

 

 


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...