ذ.ابراهيم بية
الحج تجربة فريدة لا تمثل فقط رحلة إلى الأماكن المقدسة، بل أيضا هي رمز قوي لوحدة الجنس البشري ولوجود قيم كونية مشتركة بين بني البشر. خلال حجي، عشت لحظات جعلتني أدرك بعمق كيف يمكن أن تكون هذه الممارسة الدينية أيضا مناسبة للتفكر في العدل والتضامن والوحدة بين الشعوب.
يقول الله تعالى في القرآن الكريم عن دعوة الحج:
“وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ.” [الحج: 27-28]
يعلق الإمام عبد السلام ياسين، رحمه الله، على هذا الآية في كتابه “الإحسان”:
“حكمة اللقاء العام في «مؤتمر» الحج لها كل الاعتبار في واقع الأمة.. بين أكبر فوائد [الحج] اجتماع الحاج مع إخوانه من كل أنحاء العالم ليعيش شعور الوحدة، وليتعلم من علماء الأمة إلى جانب كل الدلالات الأخرى التي تحملها كلمة ‘منافع’.”
الحج هو أحد أكبر التجمعات البشرية، وهو مؤتمر إسلامي عالمي يتجدد سنويا، مثل صلاة الجمعة التي هي مؤتمر أسبوعي صغير. في الحج، يذكر الملايين من الناس الله ويدعونه بلغات متعددة ويهتفون بصوت واحد: ‘لبيك اللهم لبيك’، يبكون ويذوبون في حب ملك الملوك، الذي بيده مقاليد كل شيء!
الحج هو اندماج للأرواح القادمة من كل زاوية في العالم، متحدة في حبها وإخلاصها لله. في سهل عرفات، وفي رمي الجمرات، وفي الطواف حول الكعبة في مكة، وفي السعي بين الصفا والمروة، أو في زيارة مقام سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة المنورة، رأيت أناسا من كل أصل وجنسية يجتمعون كعائلة واحدة. أترككم الآن مع هذه الوصف البديع لإحدى هذه المشاهد كما وصفها العالم والطبيب والفيلسوف مصطفى محمود في كتابه “الطريق إلى الكعبة”:
“الشمس تغرب على جبل عرفات. السهل مغطى بالخيام… مليون ونصف حاج ينزلون عليه كأنهم حمام في ملابس الإحرام البيضاء… لا تعرف الفقير من الغني… لا تعرف التركي من العربي. الجنسيات اختفت… الملابس المميزة اختفت… اللغات اختفت…
… على بعد خطوات مني، أكثر من ستين هنديا مجتمعين حول مطوف هندي يقرأ لهم الدعاء بالعربية من كتاب في يده… وهم يرددون خلفه الدعاء وهم يبكون، ولحاهم الطويلة مبللة بالدموع. من المؤكد أنهم لم يعرفوا العربية، ولا فهموا معاني الكلمات التي يرددونها… لكنهم شعروا بها في قلوبهم ولذلك بكوا. كل واحد يشعر أنه يخاطب الله بهذه الكلمات… أنه في حضرة الله، ضيف الله، في أراضيه المقدسة… أنه يقف حيث كان يقف محمد، عليه الصلاة والسلام، النبي البدوي الفقير الأمي… أنه يسجد حيث كان يسجد، ويركع حيث كان يركع، ويردد نفس الدعاء… بنفس اللغة العربية… في نفس اليوم… في نفس الجمعة من ذو الحجة… ولعل ذبذبات صوت النبي وأصوات أصحابه ما زالت في الفضاء حوله… لا شيء يفنى في الطبيعة ولا شيء يُستحدث من العدم.”

وحدة الحج تتجاوز حقا الحواجز الثقافية واللغوية والاجتماعية، وتظهر أننا في جوهر الإيمان، نحن جميعا متساوون. ومع ذلك، فإن الإدارة الحالية للحج قد خلقت تمييزات واضحة بين حجاج الدرجة الأولى وآخرين من الدرجة الثانية أو الثالثة أو حتى خارج الدرجات، وهذا ما سنتحدث عنه في المقال المقبل، إن شاء الله.
الحج أيضا فرصة للتفكر في الظلم في العالم. خلال رحلتي، كانت المجازر المستمرة في غزة ومعاناة الشعب الفلسطيني حاضرة دائما في ذهني وقلبي. رغم الحظر الرسمي للسلطات السعودية على إظهار أي تضامن مع فلسطين، كان الكثير من الحجاج يجدون طرقا صامتة وخفية للتعبير عن دعمهم. كان من المؤثر رؤية كيف، رغم القيود، كان التضامن مع الفلسطينيين ملموسا بين الحجاج، يتجلى في صلوات صامتة، نظرات تشجيع أو إيماءات دعم عندما كانوا يرون على جسدي رمزا فلسطينيا، أو عبر مقاطعة الكثير منهم للعلامات التجارية المتعاونة مع الإبادة الجماعية، والتي كانت للأسف موجودة حتى في المشروبات التي تُقدم للحجاج في منى وعرفات.
أذكر هنا واقعتين حصلتا معي مع سائقين في مكة، الأول كان يمنيا وكان ينقلني من مكة إلى منى لرمي الجمرات، وعندما رأى على عنقي كوفية فلسطينية عليها العلم الفلسطيني، سألني في البداية إن كنت فلسطينيا ثم نصحني بنبرة قلقة بإخفاء الوشاح لأنه ممنوع إظهاره هنا، معبرا عن غضبه من هذا الوضع. السائق الآخر كان من الروهينجا، من بورما، وفي الحوار الطويل الذي بدأ من المسجد الحرام في مكة حتى الفندق البعيد في العزيزية، تحدثنا عن اضطهاد المسلمين الروهينجا في بورما وعن تخلي الأنظمة الإسلامية عن إخوانهم وأخواتهم الذين يعانون في العالم، وانتهينا إلى الاتفاق على أن تحرير بلداننا من الطغيان هو الأساس للتمكن من نصرة المظلومين في العالم.
الحج إذا ليس فقط فعل عبادة لله، على الرغم من أن هذا يظل الهدف الأساسي، ولكنه أيضا مناسبة للتفكر في القيم العالمية للعدالة والسلام والتضامن.
في الختام، أؤكد أن هذه الرحلة كانت لي تذكيرا قويا بأننا، بغض النظر عن اختلافاتنا، نتشارك إنسانية واحدة وقيم عالمية توحدنا. إنها فرصة للتفكر في مسؤوليتنا للعمل من أجل عالم أكثر عدلا وتضامنا، متذكرين دائما أن إيماننا يدعونا لأن نكون رسل السلام والعدالة. التضامن الذي أظهره الحجاج تجاه إخوانهم في فلسطين، رغم القيود، هو علامة ملموسة على هذا النداء للعدالة والرحمة العالمية.





