حقائق بين الأوراق: معركة المواطن مع طواحين البيروقراطية.

 

 

 

 

 

عبد القادر الفرساوي

 

 

 

في مملكة البيروقراطية العظمى، تستمر ملحمة المواطن في الحصول على المعلومة كما تستمر أساطير الأبطال في مواجهة التنين. بعد مرور سبع سنوات على ولادة قانون الحق في الحصول على المعلومات، لم تزل رحلتنا مشوبة بالغموض و الضبابية، وعقبات الطريق أكثر تعقيداً من مسارات متاهة مينوتور.

تخيلوا معي، القانون 31.13 وُلد ليكون منارة للشفافية، وأداة لتحقيق العدالة المعرفية، ولكن يبدو أن هذه المنارة تغمرها ضباب الأعذار والأسباب الواهية. النصوص القانونية، وإن كانت تبدو صارمة، فإنها تنسج خيوطاً من الاستثناءات، فتجد نفسك في رحلة عبر الزمن منتظراً 20 يوماً (أو ربما أكثر، لأن التمديد حق مكفول للإدارة) للحصول على إجابة شافية كافية عافية. أما في الحالات المستعجلة، فيمكنك أن تحلم بالحصول على المعلومات خلال ثلاثة أيام فقط، ولكن لا تتفاجأ إذا تم إخبارك بأن “اليوم هو يوم الثلاثاء السابع بعد القمر الأزرق، ونحن لا نعمل في مثل هذه الأيام”.

وقضية المجانية؟ آه، هنا يكمن السحر. القانون ينص بكل جلال على مجانية الحصول على المعلومات، ولكن في سطر تالٍ، يفاجئك بأنك ستتحمل تكاليف النسخ والمعالجة والإرسال. وكأن القانون يفتح ذراعيه لاستقبالك مجاناً، ثم يهمس في أذنك: “لا تنس محفظتك عند الباب”.

اللجنة المكلفة بحماية هذا الحق، والتي يجب أن تكون حصن الأمان و الأمان للمواطنين، ما زالت متوارية في خجل خلف ستار البيروقراطية. منذ تعيين أعضائها لم نسمع لها حساً ولا خبراً، ولا تقريراً ينشر أو يناقش. كأن ساحرة عقدت عليهم عقدا٦ سحرية و أصبحوا في سبات عميق، بينما المواطنون يتقلبون في ليل الجهل.

أما موظفونا الأبطال، أولئك المكلفون بتلقي الطلبات، فهم قلة مستنزفة. يواجهون السيول من الطلبات بأسلحة الورق والأختام. الفقرة 12 من القانون تعينهم، ولكن الواقع يثقل كاهلهم، فيصبح الحصول على المعلومة عملية أشبه بمبارزة دون كيشوت دي لامنتشا لطواحين الهواء.

ومن الطرائف البيروقراطية أن نجد بعض الإدارات تحتفظ بالمعلومات على رفوف منسية في زوايا مظلمة، وكأنها آثار تاريخية تستحق الحماية من أعين العامة، أو يخافون عليها أن تصاب بالعين الحاسدة. فبدلاً من تحويل المعلومات إلى صيغ رقمية يسهل الوصول إليها، تجد الملفات مكتوبة بخط اليد ، خط رديء على أوراق صفراء، مختومة بطابع العصور الوسطى.

ولا ننسى الحكايات التي يتداولها المواطنون حول الموظف الأشهر في مملكة البيروقراطية، السيد “غير موجود”. هذا الموظف الذي يبدو أنه حاضر في كل إدارة، ولكن لا يمكن لأي أحد أن يجده في مكانه. عندما تسأل عنه، تسمع الإجابات الشهيرة: “لقد ذهب لتناول القهوة”، “إنه في اجتماع”، أو “لقد غادر للتو”. يبدو أن السيد “غير موجود” هو الشخص المسؤول عن كل المعلومات الهامة التي تحتاجها، مما يجعل الحصول على أي معلومة رحلة أخرى للبحث عنه.

والحل؟ هل نتسلق جبال البيروقراطية حتى نبلغ قمم الشفافية؟ أم نضل في دروب الأوراق إلى الأبد؟ ربما يحتاج الأمر إلى أكثر من مجرد قانون، ربما نحتاج إلى روح جديدة، الى وطنية حقيقية، تزيل غبار العقبات وتفتح أبواب المعلومات على مصاريعها، ليكون المواطنون بحق هم الأبطال، في مغامرة البيروقراطية والشفافية.

ربما يكون الحل في ثورة رقمية، تجعل من المعلومات متاحة بنقرة زر، وتحرر المواطنين من عبودية الورق والختم و المدادين الازرق و الأحمر. ومع تدريب الموظفين وتأهيلهم ليكونوا في خدمة الشعب بحق، يمكننا أن نحول هذه المملكة العظمى إلى قلعة للشفافية والمعرفة، حيث تكون المعلومة حقاً مكفولاً وليس حلماً بعيد المنال.

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...