صراع القيم

 

 

 

 

د.رشيد حميمز
أستاذ جامعي في التعليم العالي
باحث في العلوم الاجتماعية
الرباط

 

 

قبل أكثر من ثلاثين عامًا، كتب المؤلف الأمريكي صامويل ب. هنتنغتون كتابًا أثار تأثيرًا كبيرًا وأدى إلى العديد من النقاشات والانتقادات: “صراع الحضارات” (العنوان الأصلي بالإنجليزية: “The Clash of Civilizations and the Remaking of World Order”). كانت أطروحته أن الصراعات المستقبلية على الساحة العالمية ستكون ذات طابع ثقافي وديني بشكل أساسي بدلاً من أن تكون أيديولوجية أو اقتصادية. كان يعتقد أن الغرب والإسلام، على وجه الخصوص، سيكونان في معارضة متكررة بسبب اختلافات ثقافية عميقة.

هذه الأطروحة لصامويل ب. هنتنغتون هي فشل ذريع لأنها تفترض أن القيم التي يدافع عنها الغرب المسيحي أو العلماني ستكون في معارضة مع تلك التي يدافع عنها الشرق الإسلامي. لكن الأحداث الحالية للمأساة والإبادة الجماعية الفلسطينية أظهرت العكس تمامًا. في الغرب كما في الشرق، يكشف الشعور بالسخط عن مجتمع من القيم الإنسانية العالمية المشتركة، التي تتعارض مع القيم المعكوسة التي يدافع عنها الأنظمة والنخب السياسية الإعلامية في الغرب وبعض دول الشرق.

لقد عبرت الإنسانية بنفس الطريقة في الجامعات الأمريكية، في معهد العلوم السياسية في باريس أو في الشوارع المغربية. تجتمع شعوب من أعراق وأديان مختلفة حول قيم مشتركة خاصة بالإنسانية. على الجانب الآخر، تتواجد القيم الكارهة للأجانب والمتفوقة في حركات معارضة تتجلى في البرلمانات أو في الساحة الإعلامية.

لذلك، الصراع ليس بين الحضارات، بل بين مفاهيم مختلفة للقيم، بين الإنسانية واللاإنسانية، بين حضارة إنسانية وحضارة غير إنسانية تحركها المصالح والدوافع العرقية والمتفوقة، على غرار ما يمكننا رؤيته في مملكة الحيوانات في عصور ما قبل التاريخ.

في هذا الصراع القيمي

يتضح أن الإسلام هو دين عالمي يدافع عن قيم كونية. خلافًا لما تدعيه الحركات اليمينية المتطرفة الصاعدة في أوروبا، فإن الإسلام ليس في تناقض مع قيم الديمقراطيات الحديثة. بل على العكس، فهو في قلب القيم الحقيقية لهذه الديمقراطيات. لا يمكن أن يكون النبي (ﷺ) “رحمة للعالمين” كما وصفه الله تعالى في القرآن الكريم، إذا لم يكن حاملًا للقيم العالمية التي يؤمن بها هذا العالم. الرحمة تتمثل في ربط وتوصيل هذه القيم المشتركة بالله، وتتميم مكارم الأخلاق كما قال الرسول (ﷺ) عن وظيفته. وهذا هو الحلقة المفقودة التي تضيفها هذه الرحمة للعالمين.

إن العداء للإسلام لدى أتباع القيم المعكوسة هو عداء ضد هذه الصلة. بمحاربة الإسلام، فإنهم يحاربون القيم الإنسانية العالمية. وبمحاربة هذه القيم، فإنهم يحاربون الله. وبمحاربتهم الله، سوف يخسرون

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...