نهاية واقعية للحرب على إيران

إيطاليا تلغراف متابعة

بعد مرور ثلاثة أشهر على الحرب التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران في 28 فبراير/شباط 2026، بات الوضع الإستراتيجي مستقرا، ومجمدا، وواضحا بشكل مؤلم. كانت الخطوة الافتتاحية للحرب محاولة إسرائيلية أمريكية لتغيير النظام في طهران، وفشلت في اليوم الأول. ومنذ ذلك الحين، لم تتغير الحقائق الأساسية.

لا يمكن هزيمة إيران من قبل الولايات المتحدة وإسرائيل، ليس وفقا لأي جدول زمني، ولا بأي ثمن تبدي الحكومتان استعدادا لدفعه. وفي المقابل، فإن ما يمكن لإيران أن تفعله هو إلحاق أضرار بالخليج وإسرائيل بمستوى لا ترغب أي من الدولتين في تحمله. إن ترسانة إيران الصاروخية، وقدرتها المضادة للسفن، وحلفاءها ووكلاءها، وموقعها المشرف على مضيق هرمز، تمنحها كلها ردعا موثوقا ضد أي تصعيد آخر.

فالبنية التحتية للنفط والغاز في الخليج ثابتة في مكانها، ومكشوفة، وتقع في المدى المطلوب؛ ويشمل ذلك المصافي، والموانئ، ومحطات تحلية المياه، وخطوط الأنابيب في المملكة العربية السعودية، والإمارات العربية المتحدة، وقطر، والكويت، والعراق، والبحرين. وليس لأي من هذه الدول مصلحة في تصعيد الحرب؛ إذ إن حرب التصعيد من شأنها أن تغلق المضيق، وتدمر البنية التحتية للطاقة في دول الخليج، وتفجر أزمة طاقة عالمية على نطاق لم تشهده البشرية منذ سبعينيات القرن الماضي. وهذه كارثة بديهية لن تجلبها أي حكومة عاقلة على نفسها.

ومع ذلك، فإن المأزق الحالي لا يمثل توازنا أيضا؛ فالحصار الأمريكي على صادرات النفط الإيرانية مستمر، ومضيق هرمز يعمل تحت تهديد دائم، وأسواق الطاقة مضطربة. وتدفع آسيا وأوروبا وأفريقيا ثمنا باهظا لهذا المأزق، الذي يعد في واقع الأمر أزمة طاقة متباطئة الحركة.

ولا يوجد، من الناحية العملية، سوى مسارين للمضي قدما.

  • المسار الأول هو التصعيد. وهذا ما تريده إسرائيل. إن إسرائيل اليوم، من خلال سلوك حكومتها وجيشها، دولة عنيفة تماما، وراديكالية، وتوسعية. وهي لا تريد السلام، بل وليست مهتمة حتى بالدبلوماسية. تريد إسرائيل الهيمنة على فلسطين، وعلى جيرانها، وعلى نحو متزايد على سياسات راعيها الرئيسي.

فبعد حربها على غزة وضمها الفعلي للضفة الغربية، انتقلت إسرائيل إلى لبنان، وهي مستمرة في توسيع احتلالها جنوب لبنان، وقتل المدنيين اللبنانيين بشكل يومي. إن الغارات الجوية على بيروت، والاغتيالات المستهدفة عمال الإغاثة والصحفيين، وتسوية القرى بالأرض، وتشريد مئات الآلاف، ليست تصرفات دولة تسعى إلى الأمن.

لقد راهنت حكومة نتنياهو على مستقبل البلاد بناء على قناعة مفادها أنه لا يوجد أي قيد، داخليا كان أم خارجيا، على ما يمكن إجبار القوة العسكرية الإسرائيلية على فعله. وتعد حرب إيران الامتداد المنطقي لتلك القناعة.

والولايات المتحدة مقيدة بهذا المشروع بفعل النفوذ السياسي للمسيحيين واليهود الصهاينة فيها، والوزن المالي لصناعات الدفاع والمراقبة والتكنولوجيا التي تتربح من الحرب، وبفعل كونغرس يبدو خاضعا تماما لإسرائيل بدلا من الولايات المتحدة. ومع ذلك، فقد قرأ الجمهور الأمريكي هذا السيناريو من قبل في العراق، وليبيا، وسوريا.

إن إسرائيل ترغب في حرب موسعة، وهذا ببساطة ليس في مصلحة أمريكا. ويعرف الناخبون هذه الحقيقة جيدا، وجاءت استطلاعات الرأي مرارا وتكرارا دون أي غموض؛ إذ يعارض الأمريكيون بأغلبية ساحقة الحرب على إيران، وسلوك إسرائيل بشكل عام.

  • المسار الثاني، هو التهدئة. وهنا يوجد متغيران فرعيان آخران.

الأول هو تسوية تفاوضية شاملة تعالج، في إطار واحد، إنهاء الحرب، ومستقبل البرنامج النووي الإيراني، والهيكل الأمني للخليج، وقضايا السلام في الشرق الأوسط. هذه هي النتيجة الصحيحة، ولكنها أيضا مستحيلة بالتأكيد تقريبا؛ فالرئيس ترمب أضعف مما ينبغي، ومتقلب للغاية، ورهين لنتنياهو شخصيا، ولطبقة المانحين الصهاينة الذين يمولون ائتلافه، ولمقاولي وادي السيليكون الذين يجنون ثروات طائلة من الحرب. إن الصفقة الشاملة تتطلب إستراتيجية أمريكية متماسكة، والولايات المتحدة اليوم هي عكس المتماسكة تماما.

وبناء على ذلك، فإن الخيار الأفضل الواقعي هو المتغير الفرعي الثاني: إنهاء القتال الفعلي، وتراجع أمريكي وإسرائيلي، وإعادة فتح مضيق هرمز، وضبط النفس الإيراني في المقابل. لن يحتاج هذا إلى أن يكون “صفقة” بأي معنى رسمي؛ ولن يتطلب موافقة الكونغرس، أو الحكومة الإسرائيلية، أو ذلك النوع من التركيز الدبلوماسي الذي لا يستطيع ترمب الحفاظ عليه. لكن يتطلب الأمر فقط أن توقف الولايات المتحدة الحصار، وأن تمتنع إيران عن أي أعمال تصعيدية.

ومن المؤكد أن روسيا والصين، اللتين تملكان مصالح رئيسية في خليج مستقر ونفوذا كبيرا في إيران، ستشجعان على ضبط النفس. ولإيران كل المصلحة في قبول هذا المخرج، وسوف تتنفس دول الخليج الصعداء. ويمكن إنتاج اتفاق “هيكلي”، بلغة تحفظ ماء الوجه بشأن استئناف الدبلوماسية، وإعلانات ضبط النفس النووي، وإشارات غامضة إلى الممرات الإنسانية للاستهلاك الإعلامي.

تلك هي النهاية القابلة للتحقيق للحرب. ورغم ذلك، فإن السلام المنشود والأمن الحقيقي طويل الأمد هما أكثر طموحا، ولهما نموذجهما الساخر الخاص في “اتفاقيات أبراهام” العبثية والمأساوية.

وكما استخدم ترمب هذه العبارة، فهي وهم قرين بالقسوة، وتطبيع بين إسرائيل والعالم العربي بعد الإبادة الجماعية التي ارتكبتها إسرائيل في غزة، واحتلالها الحالي فلسطين، وتوسعها غير المنضبط في الشرق الأوسط.

لكن الإطار ليس خاطئا؛ بل هو صحيح، ولكن فقط إذا فعلت الولايات المتحدة ما رفضت فعله لثلاثة أرباع قرن. إن العالم العربي يذكر الولايات المتحدة باستمرار بأنه مستعد لصنع السلام مع إسرائيل، شريطة قيام الدولة الفلسطينية.

وهذا يعني أنه يجب على الولايات المتحدة إسقاط حق الفيتو الذي تستخدمه، وأن يتم قبول فلسطين في الأمم المتحدة على حدود 4 يونيو/حزيران 1967. ويجب مطالبة إسرائيل بأن تصبح دولة طبيعية، داخل حدودها (حدود 4 يونيو/حزيران 1967)، ومدمجة في هيكل أمني إقليمي يضم إيران، والمملكة العربية السعودية، ومصر، والدول العربية الأخرى، بدلا من كونها الآفة العسكرية للمنطقة كما أصبحت الآن.

هذا هو السلام الذي تعترف به كل دولة جادة في العالم. وهو ليس ما سنحصل عليه من هذه الإدارة الكارثية الخاضعة للتطرف العنيف. ما قد نحصل عليه هو وقف للحرب. والوقف كاف، في الوقت الحالي، لحماية الاقتصاد العالمي من الانهيار وإنقاذ المنطقة من معاناة تصعيد آخر.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

المصدر: الجزيرة


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...