حديث الدولة في تونس

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

ذ.محمد كريشان
كاتب وإعلامي تونسي

 

 

 

«ما عادش دولة» (لم تعد هناك دولة) قالها مواطن بسيط للرئيس التونسي قيس سعيّد في سياق شكواه من عدم تحرك الدولة لحمايته وأمثاله مما عدّده من ممارسات غير مقبولة لمهاجرين أفارقة. اهتز الرئيس لسماع هذه الكلمة ونهره مع نظرة غضب حادة قائلا «ما عادش تقول ما عادش دولة!!» (لا تقل مرة أخرى إنه لم تعد هناك دولة).
وإذا كان هذا هو فهم هذا المواطن لوجود الدولة من عدمه، فإن لآخرين فهما آخر مختلفا تماما، كان آخر من ذكره النائب البرلماني السابق مبروك كورشيد حين استعرض في فيديو قصير من منفاه في الخارج ما قال إنها مضايقات وتجاوزات يتعرض لها أبناؤه ومنهم القصّر، خاصة منعهم من السفر.
ما قاله المواطن في دردشته الخاطفة مع الرئيس هو نفس ما يكرّره قبله وبعده كثير من المعارضين، ولكن بمعنى أعمق وأخطر، يقوم بالأساس على أن الدولة لم تعد، بالنسبة إليهم، ذلك الكيان الذي يسوده الحد الأدنى من سيادة القانون وعلويته واحترام الجميع له وأولهم الماسكون بزمام السلطة. ولهؤلاء شواهد كثيرة من بينها أنه بات للأجهزة الأمنية صولات وجولات قد لا تكون «تمتعت» بها حتى زمن الرئيس الراحل زين العابدين بن علي الذي كان يوصف نظامه بالدولة البوليسية. بات هذا الجهاز ليس فقط معفيا من أية رقابة أو محاسبة، كما أثبتت الأحكام الخفيفة التي صدرت في حق بعض أعوانه في قضية موت أحد مشجعي كرة القدم، وإنما بات قادرا على أن يفعل ما يريد حتى بات هذا الجهاز ذراع السلطة في تجاوزاتها وحزامها الضامن فصار محصّنا وقويا كما لم يكن يوما.

أما المؤسسة العسكرية التي كانت لعقود بعيدة عن الشأن السياسي فلم يكن يقع اللجوء إليها إلا في أحداث كبرى تتعلق بتهديد حقيقي لأمن البلاد ومستقبلها وأبانت فيها عن حرفية وحياد كبيرين رغم محدودية الإمكانيات، فهناك من يسعى حاليا لجرّها إلى مربّع غير مسبوق. لم يقف الأمر عند وقوف دبابة، أو عربة عسكرية مصفّحة لا يهم، أغلقت مدخل البرلمان في 25 يوليو 2021 حين قرر الرئيس سعيّد أن يمضي في مسلسل الاستئثار الكامل بالسلطة، بل باتت بعض أجهزته تضطلع بمهام لم تعرف عنها من قبل، ولا يوجد من يشرحها أو يوضحها للرأي العام حتى يطمئن إلى أن الجيش ما زال وفيا لمهامه الأصلية ولم يحد عنها. هذا فضلا عن تعيين قيادات عسكرية مباشرة في مناصب وزارية أو إدارية أو على رأس بعض المؤسسات وهو ما لم يحصل أبدا في العهود السابقة حتى حين وصل جنرال سابق إلى الرئاسة هو بن علي.
الأدهى مما سبق أن القضاء في البلاد، الذي يفترض أنه ملجأ الجميع، بات مرعوبا وخاضعا بالكامل تقريبا للسلطة وهو ما يتضح بالخصوص في هذه الموجة المحمومة لملاحقة كل من يترشح للانتخابات الرئاسية المقبلة عبر إصدار أحكام مفضوحة، سريعة مرتجلة، فضلا عن العدد الكبير من السجناء السياسيين من مشارب مختلفة الذين يقبعون حاليا وراء القضبان دون تهم مقنعة وبلا محاكمة.

يجري كل ذلك والإعلام النقدي المتابع للحياة السياسية يكاد يكون اندثر بالكامل عدا بعض الأصوات النادرة التي ما زالت تصرخ في واد فتحوّلت تونس بعد الثورة من ساحة تغلي بالأصوات المتعدّدة، بغثّها وسمينها، إلى ساحة باهتة لا أحد يتحدث في إعلامها سوى رئيس الدولة وأنصاره، وهم بالمناسبة على درجة مذهلة من الضحالة. حتى بعض الإعلام الخاص الذي كان يمثل متنفسا محدودا توقفت برامجه السياسية بدعوى الدخول في إجازة صيفية لشهري يوليو وأغسطس، مع أن البلاد مقبلة على انتخابات رئاسية في أكتوبر المقبل وهو ما كان يفترض أن يٌثريَ النقاش السياسي لا أن يدفنه، دون أن ننسى وجود عدد من الصحافيين وراء القضبان مع ملاحقات مستمرة وأحكام لمدونين على مواقع التواصل ولمواقع إعلامية آخرها موقع «نواة» الجاد.
هذه الانتخابات المقبلة، لا شيء أبدا يوحي بأنها ستكون محطة تنافسية أو محطة قادرة على إعطاء نفحة أمل، ليس فقط لمواجهة كل ما ذكر ولكن حتى لمواجهة أعباء المعيشة التي تزداد غلاء والمرافق العامة المختلفة التي تزداد تراجعا وترهّلا، وسط حالة من دفن أغلب النخبة رأسها في الرمال وعزوف الشباب وخيبة أمله في كل شيء.
وإذا كان المواطن الذي وقف متحدثا مع الرئيس محظوظا فلم ينله بسبب ما قاله سوى نظرة غاضبة حادة من الرئيس، فإن الأمر لم يكن كذلك مع المحامية والإعلامية سنية الدهماني التي، للمفارقة تحدثت عن نفس موضوع المهاجرين الأفارقة، حين ردّت في إحدى الإذاعات الخاصة على ما كان قاله الرئيس من أن هؤلاء يعتزمون الاستيطان في تونس وليس المرور منها إلى أوروبا. قالت وقتها بلهجة استنكارية ساخرة «شوف هاك البلاد الهايلة!!» (أنظر إلى تلك البلاد الرائعة) التي يريدون البقاء فيها، فنالت عاما سجنا!!.

 

 

 


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...