د.عبد الحق غريب
أستاذ باحث بكلية العلوم بجامعة شعيب الدكالي بالجديدة.
منذ ظهور المسيحية قبل ألفي عام تقريباً لم تتهدد أوربا بخطر قادم إليها من خارجها، إلا عن طريق الإسلام في موجتين… ما عدا ذلك، فإن كل الحروب التي دارت في القارة العجوز كانت أوربية – أوربية، انتهاء بالحرب العالمية الثانية.
الموجة الأولى كانت في العصر الذهبي للدولة الأموية في الأندلس… والموجة الثانية عندما بلغ العثمانيون أسوار فيينا سنة 1532م وهي آخر عاصمة أوربية يحاصرها المسلمون، دون ان يتمكنوا من فتحها… وهذا ما أشار إليه المفكر السياسي الأمريكي “صمويل هنتنجتون” في كتابه “صدام الحضارات” عندما قال : الإسلام هو الحضارة الوحيدة التي جعلت بقاء الغرب موضع شك، وقد فعل ذلك مرتين.
ب “برنارد لويس” (أستاذ فخري بريطاني أمريكي، متخصص في تاريخ الإسلام والتفاعل بين الإسلام والغرب) قال كذلك : لمدة ما يقرب من ألف سنة، منذ أول رسو موريسكي في إسبانيا وحتى الحصار التركي الثاني لفيينا، كانت أوربا تحت تهديد مستمر من الإسلام.
هل نحن امام موجة إسلامية ثالثة تهدد الكيان الصهيوني قبل الغرب ؟
إذا كانت الحقيقة التي لا يختلف عليها اثنان حاليا هي أن الدول الإسلامية والعربية تعيش أسوء أيام تاريخها على كافة المستويات (سياسيا، اقتصاديا، فكريا، علميا…). فإن أكثر ما يثير القلق الغربي في الفترة الحالية، هو التغيرات الديمغرافية، حيث ان التعداد السكاني لأغلب دول أوربا يكاد يكون ثابتاً، في الوقت الذي يتزايد فيه أعداد المسلمين بصورة مطردة.
وحسب كثير من السياسيين والمفكرين ورجال الدين المسيحيين، فإن الخطر الأعظم الذي يتهدد الغرب هو موجات الهجرة الكبيرة للمسلمين نحو الدول الأوروبية هروبا من الوضع الصعب والمتأزم الذي تعيشه دول العالم الإسلامي والعربي، والذي للغرب دور واضح فيه (اندلاع الحروب، الوضع السياسي، استنزاف الخيرات…). بالإضافة إلى ذلك، يُلاحظ ارتفاع أعداد الأشخاص المهتدين إلى الإسلام سنة بعد سنة بمختلف الدول الأوروبية، حيث كشف تقرير بصحيفة نيويورك تايمز الأميركية في أحد أعدادها سنة 2013، إن نحو 150 شخصاً تقريبا يعتنقون الإسلام كل عام في فرنسا….وجاء في التقرير كذلك أن أعداد المهتدين إلى الإسلام سنويا تضاعف خلال 25 سنة فقط.
ولعل ما يعزز هذا الطرح (الخطر الأعظم الذي يتهدد الغرب)، بالإضافة إلى تنامي صعود اليمين المتطرف في أوروبا وما يتعرض له المسلمون من أفعال عنصرية هنا وهناك، آخرها وليس أخيرها، ما يقع هذه الأيام من اعتداءات عنصرية وعنف ضد المسلمين في إنجلترا، (ما يعزز هذا الطرح) هو تصريحات عدد من رؤساء الدول ورؤساء الحكومات في هذا الباب، نذكر على سبيل المثال لا الحصر، الخطاب الذي ألقاه الرئيس الفرنسي “إمانويل ماكرون” غرب باريس، حول سياساته ضد ما أسماه “التشدد الإسلامي الذي يتخذ العنف منهجا له”، حيث قال : على فرنسا التصدي لما وصفها بالانعزالية الإسلامية الساعية إلى إقامة نظام مواز وإنكار الجمهورية الفرنسية… والتصريح الذي أدلى به الوزير الأول الفرنسي الأسبق، “مانويل فالز”، لصحيفة البايس الإسبانية، حيث قال في معرض كلامه : إن كل الدول تعاني من أزمات ثقافية وسياسية… وفي فرنسا يعاني مجتمعنا من مشكلة الإسلام والمسلمين… واللائحة طويلة.
في الأخير، لست أدري إن كان التصريح الذي قدمه رئيس الوزراء الإسباني الأسبق، “خوسيه ماريا أثنار”، مجرد كلام ام حقيقة، عندما قال : “حين تسقط إسرائيل، تسقط معها الحضارة الغربية.” ويأتي هذا التساؤل، وانا استحضر دراسة بعنوان “مستقبل إسرائيل” صادرة عن مركز “بيجن – السادات”، قال فيها “أفرايم عنبار”، الأستاذ الجامعي الصهيوني ورئيس معهد القدس للدراسات الإستراتيجية : السيناريو الذي يخشاه الجميع هو أسلمة أوربا لتصبح ذات طابع إسلامي، وهناك من يرى أن أوربا تسير نحو هذا الاتجاه وإذا لم ينجح الأوربيون في إيقاف التعاظم الديمغرافي للمسلمين في بلادهم سيكون بمثابة تغيير جذري في منظومة العلاقات الدولية، وهو بالطبع لن يكون في صالح إسرائيل… وأستحضر أيضا الإبادة الجماعية التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني من طرف الكيان الصهيوني بهذه الوحشية والهمجية، بدعم مطلق من أمريكا وحلفائها، وتواطؤ من الأنظمة العربية والإسلامية، والخطاب/المهزلة الذي ألقاه مجرم الحرب نتنياهو أمام الكونغرس الأمريكي.





