ذ.حسين مجدوبي
كاتب مغربي
انخراط بعض الدول العربية والإسلامية، وتبنيها لسياسة الغرب ومشاريعه، لا يعني قبول مؤسسات هذا الغرب بها، بل فقط يعمل هذا الغرب على تحسيس هذه الدول بأنها مهمة. بينما في الواقع هي مجرد أدوات تكون مهمة في لحظة تاريخية ويتم التخلي عنها أو تهميشها، ويبقى المثال التركي الأكثر تعبيرا عن هذه الرؤية والمنهجية الغربية.
تركيا عضو في منظمة شمال الأطلسي، وهي الثانية من حيث الجيوش عددا بعد الولايات المتحدة، وهي قاعدة متقدمة في مخططات الحلف الأطلسي في حالة اندلاع حرب مع روسيا، وربما الصين كذلك، وكانت تاريخيا عصا للتلويح ضد بعض الدول العربية ومنها سوريا. وهذا الوضع المهم لتركيا يفترض أن يقابله اهتمام عسكري أوروبي وأمريكي حقيقي بها، ثم حصولها على امتيازات استراتيجية، ولكن ما يجري هو العكس.
في هذا الصدد، يمكن التركيز على مجال الأسلحة، الذي يكون معيارا لتقييم مستوى الثقة، سواء سلبا أو إيجابا، بمعنى هل دولة معينة تدخل في خانة الحلفاء والشركاء أم هي شريك مؤقت بتاريخ انتهاء الصلاحية. وعليه، تعاني تركيا منذ سنوات من ضعف نسبي في سلاحها الجوي، وإن كانت تتوفر على أكبر قدر من الأساطيل ومن المسيرات الحربية، وهي مجموعة بيرقدار التي أبانت عن دور مهم في الحرب الروسية – الأوكرانية، لكنها تفتقر لأحدث المقاتلات الكلاسيكية. بالفعل، لدى تركيا أسطول كبير من طائرات إف 16، غير أنها بقيت من دون تحديث، وتعود برامجها الإلكترونية إلى ثلاثة عقود، الأمر الذي يجعل منها أقرب الى الخردة من سلاح فعال في مواجهة تطور السلاح الجوي للجيران. أصبحت هذه الطائرات مثل حاسوب لا بأس به من الناحية الميكانيكية، ولكنه يعمل بـ»ويندوز 95»، وصاحبه لا يستطيع الحصول عل نسخة «ويندوز 10 أو 11». وعمليا، تمتلك اليونان مقاتلات متطورة خاصة الفرنسية رافال، إذ في ظل الصراع الفرنسي – التركي، تعمد باريس إلى مساعدة اليونان عسكريا لإضعاف تركيا. كما ستحصل اليونان على مقاتلات إف 35 المتطورة. ولا تبخل الولايات المتحدة في تحديث الأسطول الجوي الحربي لإسرائيل بمختلف المقاتلات، لتضمن تفوقها الجوي في الشرق الأوسط. وفي انتظار صناعة تركيا لمقاتلات من الجيل الخامس في ظرف عقد على الأقل، وهي من طراز «قآن»، لا يريد الجيش التركي البقاء في وضع ضعيف جويا مقارنة مع الجيران، الذين يناصبونه العداء. لكن لا حيلة لتركيا أمام تصميم الغرب على تقزيمها عسكريا، للحد من تطورها المذهل خلال العشرين سنة الأخيرة في مختلف القطاعات، وعلى رأسها القطاع العسكري. والمفارقة أنها تتعرض لهذا الحصار الناعم على الرغم من عضويتها في الحلف الأطلسي، ويفترض أن يحصل العكس بأن يسارع الغرب إلى تلبية مطالبها واحتياجاتها العسكرية.
في هذا الصدد، تماطل الولايات المتحدة في تحديد تاريخ نهائي لبيع تركيا برامج تطوير إف 16، وكذلك تماطل في بيعها طائرات جديدة من هذا الطراز، تستمر لعبة مصادقة الخارجية ومعارضة الكونغرس ثم الادعاء بوجود زبائن تقدموا بطلبيات ويجب الانتظار. في الوقت ذاته، حرمت واشنطن تركيا من الحصول على إف 35، وحرمتها من الحصول على أنظمة الدفاع الجوي مثل باتريوت. ومؤخرا، كان الفيتو الألماني هو الجواب أمام رغبة تركيا الحصول على المقاتلة الأوروبية «يوروفايتر» بسبب موقف تركيا المندد بجرائم إسرائيل.
وإذا كانت الدول الأوروبية والولايات المتحدة تتبادل في بعض الأحيان التكنولوجيا الحربية، تبقى تركيا على هامش هذه التفاهمات والاتفاقيات، إذ لا تستفيد من تفويت التكنولوجيا. وهذا ما يدفع بأنقرة إلى البحث عن بدائل تتمثل حتى الآن في الرهان على قدراتها الذاتية لتطوير الأسلحة التي تحتاجها، وإن تطلب الأمر للكثير من الوقت، ثم الرهان على السلاح الروسي. واشترت تركيا نظام الدفاع الجوي الروسي إس 400، ثم إنها لا تستبعد اقتناء مقاتلات روسية إذا استمر الغرب في حرمانها من الحصول على اليوروفايتر وإف 16. ويتكرر السيناريو بشكل أكبر مع الدول العربية، التي تعتبر نفسها حليفة الغرب. فقد رغبت بعض الدول العربية في الحصول على أسلحة أمريكية متطورة، ولم تنجح في مسعاها، الأمر الذي يجعلها تفكر في دول بديلة مثل الصين وروسيا.
06لا تشفع لتركيا عضويتها في الحلف الأطلسي منذ عقود، فهي تواجه التهميش التكنولوجي والعسكري، الأخطر هو اعتبار بعض الدول الغربية تركيا ضمن الأعداء المتوسطيين، الذين قد يشكلون خطرا عليهم مستقبلا، هذا هو تصور اليونان عن تركيا بسبب العداء التاريخي، وكذلك تصور فرنسا عن تركيا. وتتكرر المعاملة نفسها تجاه الدول العربية، ومن ضمن الأمثلة، يعد المغرب حليفا للحلف الأطلسي وتجمعه شراكة متينة معه، لكن بعض أعضاء الحلف، وعلى رأسهم إسبانيا يعتبرون المغرب أحد مصادر الخطر مستقبلا. ويبقى السبب هو الاختلاف الثقافي والديني للدول العربية وتركيا عن الدول الأعضاء في الحلف الأطلسي. تصرف الغرب مع الدول العربية والإسلامية جيوسياسيا، يشبه تصرف ذلك الشخص الذي يوجه دعوة الى شخص آخر ولكن يجلس معه فقط في حديقة المنزل دون السماح له بالدخول إلى الصالون، فلا هو في المنزل ولا هو في الشارع، يبقى في منزلة بين المنزلتين. ويختلف التعامل مع تصرفات الغرب، إذ تعمل تركيا على تطوير صناعة عسكرية قوية لتحقيق نسبة كبيرة من الاكتفاء الذاتي في مجال الدفاع، تكتفي غالبية الدول العربية بالبحث عن أسواق بديلة لعقد صفقات.





