ذ.عبد القادر الفرساوي
في المغرب، تبدو الحياة في ظاهرها هادئة، ولكن خلف هذه الواجهة، يعاني رجال الشرطة من نظرة متوجسة من المجتمع. فالعديد من المواطنين يرون فيهم مجرد متسلطين ذوي قلوب قاسية، يعيشون على الرشوة ولا يهتمون إلا بفرض النظام بقسوة. هذه النظرة السلبية تحجب عن الأنظار التضحيات الكبيرة التي يقدمها هؤلاء الرجال، والضغوط النفسية التي يتعرضون لها بشكل يومي. خلف الزي الرسمي، يكمن إنسان يعمل في ظروف صعبة، بعيدًا عن أسرته، وتحت ضغوط تجميد الترقيات وتجاهل احتياجاته الإنسانية.
رجل الشرطة في المغرب يواجه تحديات كبيرة تجعل من حياته المهنية عبئًا ثقيلًا يتجاوز القدرة على التحمل. فهو يعمل ساعات طوال في ظروف قاسية،سواء تحت الشمس الحارقة أو في البرد القارس والليالي الشاتية أو الرياح العاتية، وغالباً ما يتم استدعاؤه خلال إجازاته ليعود إلى العمل على وجه السرعة، تاركًا أسرته لوحدها أو مضطراً لنقلها معه، مما يحرمها من الراحة والسكينة. بالإضافة إلى ذلك، يعاني من تجميد الترقيات وتأخر المكافآت، مما يزيد من حدة التوتر النفسي الذي يعيشه.
وفي ظل هذه الظروف، يتم تكريم السيد عبد اللطيف حموشي، المدير العام للأمن الوطني ولمراقبة التراب الوطني، من طرف وزارة الداخلية الفرنسية بميدالية الشرف الذهبية. كما تم تكريمه أيضاً من قبل إسبانيا بوسام الاستحقاق للحرس المدني، وهو من أعلى الأوسمة التي تمنحها هذه المؤسسة. إن هذه الأوسمة ليست مجرد تقدير فردي، بل هي نتيجة العمل الجاد والمخلص لرجال الشرطة بكل مراتبهم، القدماء والحديثين، الذكور والإناث، الذين يساهمون جميعاً في تعزيز الأمن والاستقرار. بينما يتلقى الحموشي هذا التقدير الدولي الكبير، تظل التحديات النفسية التي يواجهها رجال الشرطة في المغرب قائمة، خاصة فيما يتعلق بظاهرة الانتحار التي أصبحت تتكرر بشكل مقلق.
شهدت مدينة القنيطرة اليوم حادثة انتحار شرطي شنقاً في غابة معمورة، وهو في ريعان شبابه. هذه الحادثة تأتي لتضيف إلى سلسلة من حوادث الانتحار التي هزت المغرب في الفترة الأخيرة. فقد تكررت حالات الانتحار بين رجال الشرطة في عدة مدن مغربية مثل الدار البيضاء، مراكش، وفاس. ففي مراكش، منذ ثلاثة أسابيع فقط، اختار مقدم رئيس إنهاء حياته بسلاحه الوظيفي. وبعده بأيام، أقدم ضابط آخر على الانتحار شنقاً في نفس المدينة. أما في فاس، فقد حاول شرطي الانتحار بسلاحه داخل بيته في لحظة من اليأس في منتصف فبراير من هذا العام.
هذه الحالات ليست بمعزولة، بل تعكس قسوة الظروف التي يعمل فيها رجال الشرطة. تُظهر هذه الظاهرة الوجه المظلم للمهنة، حيث لا تتوقف الحياة عند أداء الواجبات الوظيفية، بل تتحول إلى كابوس يومي يعيش فيه رجل الأمن تحت ضغوط نفسية واجتماعية لا يراها الناس ولا يتحدث عنها الإعلام. هذه المعاناة تتفاقم في ظل غياب الدعم النفسي الكافي والإهمال المستمر من قبل القيادات.
في إطار الجهود المبذولة لتحسين الأوضاع النفسية لرجال الشرطة، يجب على المؤسسات الأمنية أن تأخذ على عاتقها تطوير مشروع شامل ومتكامل يسلط الضوء على أهمية الصحة النفسية في قوى الأمن. هذا المشروع ينبغي أن يتضمن أدوات واستراتيجيات نفسية لمساعدة رجال الشرطة على التعامل مع التوتر والضغوط بشكل فعال. من الضروري أن يتم تقديم تدريبات متخصصة في إدارة التوتر، التعامل مع الصدمات النفسية، وتحسين الصحة النفسية العامة لرجال الأمن ضمن إطار المؤسسة نفسها، لضمان الحفاظ على السرية والحماية الكاملة للمعنيين. إن إدماج هذا المشروع كجزء من البنية التنظيمية للمؤسسة يساهم في تعزيز قدرة رجال الشرطة على أداء واجباتهم بكفاءة واحترافية، ويعكس التزام المؤسسة بتقديم دعم نفسي حقيقي ومباشر لأفرادها.
عندما يُعتنى بالرفاهية النفسية لرجال الشرطة، يتحسن مستوى الخدمة التي يتلقاها المواطنون. فالرجل الذي يعمل تحت ضغط نفسي أقل، يكون أكثر قدرة على تقديم خدمة مهنية وموثوقة. وبالتالي، فإن توفير الدعم النفسي والبرامج التدريبية المناسبة يعزز ثقة المواطنين في جهاز الشرطة، ويقلل من التصرفات السلبية التي قد تؤثر على العلاقة بين الأمن والمجتمع.
إن تحسين الصحة النفسية لرجال الشرطة ليس مجرد استثمار في أفراد القوة الأمنية، بل هو استثمار في أمن واستقرار المجتمع ككل. يجب أن نبدأ في بناء برامج دعم نفسي متكاملة، لتوفير بيئة عمل صحية ومستدامة لأبطال الأمن الذين يسهرون على راحتنا وأماننا.





