تشهد جنوب أفريقيا تصاعدا لافتا في الهجمات والاحتجاجات المعادية للمهاجرين، وسط اتهامات للأجانب بمنافسة السكان المحليين على الوظائف والخدمات العامة، في ظل أزمة اقتصادية واجتماعية متفاقمة تعاني منها البلاد.
وحذرت منظمة “هيومن رايتس ووتش” من اندلاع موجة جديدة من العنف ضد الأجانب في جنوب أفريقيا، مع تكثيف الجماعات المناهضة للهجرة من احتجاجاتها وأعمالها التي تشبه أعمال “القصاص الأهلي”.
وتقود جماعات مناهضة للهجرة، من بينها حركتا “مارش آند مارش” و”أوبريشن دودولا” (أي عملية الطرد بلغة الزولو)، في عدة مدن حملات تطالب بمغادرة المهاجرين وتشديد الإجراءات الخاصة بالهجرة غير الشرعية.
وأظهرت منشورات ومقاطع مصورة (فيديو) متداولة على مواقع التواصل الاجتماعي أشخاصا مناهضين للهجرة يدعون الرعايا الأجانب إلى مغادرة جنوب أفريقيا بحلول 30 يونيو/حزيران القادم، الأمر الذي أثار مخاوف متزايدة من احتمال تصاعد أعمال العنف والاستهداف الجماعي للمهاجرين خلال الفترة المقبلة.
لماذا تتصاعد الهجمات ضد المهاجرين؟
بحسب التقارير، تعاني عدة مدن وبلدات في جنوب أفريقيا من الفقر وعدم المساواة والبطالة، وهو ما تستغله الجماعات المناهضة للهجرة وبعض الأحزاب السياسية لتأجيج المشاعر العدائية تجاه الأجانب عبر تصويرهم على أنهم المصدر الأساسي لتلك الأزمات الاقتصادية.
وتقوم أحزاب سياسية مثل “التحالف الوطني” و”أكشن إس إيه” و”أومخونتو وي سيزوي” بتصوير المهاجرين على أنهم منافسون للسكان المحليين على الوظائف في سوق العمل والخدمات العامة.
وفي هذا السياق، قال مفو ماخوبيلا، عضو اتحاد اللاجئين والمهاجرين في جنوب أفريقيا وناشط في منظمة “كوبانانغ أفريقيا ضد كراهية الأجانب” (KAAX)، للجزيرة الإنجليزية إن مجموعات الحراسة الأهلية آخذة في التزايد استجابة لما وصفه بحالة “الإحباط الاجتماعي” الواسعة في البلاد.
وأوضح ماخوبيلا في تصريحاته للجزيرة الإنجليزية أن مجموعات الحراسة الأهلية تستغل حالة الغضب الناتجة عن البطالة والأزمات الاقتصادية والاجتماعية، إضافة إلى غياب الجهود الكافية لمعالجة الفجوات المرتبطة بعدم المساواة.
وأضاف أن جنوب أفريقيا لا تزال تواجه تحديا كبيرا يتمثل في معالجة إرث نظام الفصل العنصري، وسط استمرار معاناة سكانها من الأزمات الاقتصادية والاجتماعية.
كيف تحوّل المهاجرون إلى “كبش فداء”؟
تزامن التدهور المتسارع مؤخرا في الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية في جنوب أفريقيا، بما في ذلك تجاوز معدل البطالة 43%، مع تصاعد النشاط المناهض للمهاجرين وظهور جماعات جديدة من الحراسة الأهلية، أبرزها “مارش آند مارش” و”أوبريشن دودولا”.
وتتهم هذه الجماعات المهاجرين الأجانب بالتسبب في الأزمات الاقتصادية التي تعاني منها البلاد، وتحملهم مسؤولية تراجع الخدمات العامة وارتفاع معدلات الجريمة، على الرغم من وجود دراسات تنفي صحة هذه الادعاءات وتدحض علاقة المهاجرين باندلاع الأزمات الاقتصادية والاجتماعية.
ليس ذلك فحسب، بل وصل الأمر -وفقا لتقرير منظمة “هيومن رايتس ووتش”- إلى أن تقوم الجماعات المناهضة للهجرة بمنع المهاجرين من الوصول إلى الخدمات الأساسية، بما في ذلك الرعاية الصحية والتعليم في المرافق العامة. على سبيل المثال، قادت مجموعة “أوبريشن دودولا” حملات استهدفت من وصفتهم بـ”المهاجرين غير الشرعيين”، شملت في بعض الأحيان منعهم من دخول المستشفيات والمراكز الصحية الحكومية.
وفي محاولة للحد من هذه الاعتداءات ضد الأجانب، أصدرت محكمة غوتنغ العليا في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي أمرا قضائيا يقضي بمنع مؤيدي حركة “أوبريشن دودولا” من عرقلة وصول المهاجرين إلى مرافق الرعاية الصحية العامة.
من جهته، قال المتحدث باسم حركة “أوبريشن دودولا” بات موكغالوسي إنه “يجب على الأجانب غير الشرعيين أن يحزموا أمتعتهم ويغادروا فحسب”، مبررا موقفه بأن الهجرة غير النظامية تُضعف الأنظمة والمؤسسات العامة وتزيد الضغط على فرص العمل والخدمات.
كما ربط موكغالوسي الهجرة غير الشرعية بارتفاع معدلات الجريمة وسوء التخطيط، مشيرا في الوقت نفسه إلى أن المهاجرين الشرعيين مرحب بهم شريطة التزامهم بالقوانين.
كذلك، ترى مؤسسة حركة “مارش آند مارش” جاسينتا نغوبيسي زوما أن الهجرة غير الشرعية تستنزف الموارد وتساهم في تفاقم أزمة الاكتظاظ في المدن والمدارس والمستشفيات وأسواق العمل.
هل تعود جنوب أفريقيا إلى موجات العنف ضد الأجانب؟
تتزايد المخاوف يوما تلو الآخر من احتمال عودة موجات العنف ضد الأجانب في جنوب أفريقيا، مع تصاعد حدة مضايقات وهجمات الجماعات المناهضة للهجرة التي تستهدف المهاجرين في عدد من المدن، لا سيما في المناطق الحضرية المحيطة بمدينتي ديربان وبريتوريا.
ونقلت “هيومن رايتس ووتش” عن صاحب متجر كاميروني (43 عاما) مقيم في مدينة ديربان تجربته مع الهجمات المناهضة للهجرة، والتي قال إنها استهدفت متجره خلال احتجاجات مرتبطة بمواقف مناهضة للأجانب في المدينة.
وبحسب روايته، قام أشخاص يشتبه في ارتباطهم بحركة “مارش آند مارش” بتنفيذ هجوم عنيف على متجره، وذلك خلال احتجاجات استهدفت متاجر يملكها أجانب في 17 أبريل/نيسان الماضي.
حينها، سارع صاحب المتجر إلى إغلاق الباب وإطفاء الأضواء لتجنب الاشتباك مع المشاركين في الهجوم، إلا أن مجموعة من نحو 10 رجال اقتحموا المكان بعد تحطيم الباب، واعتدوا عليه وعلى 3 من زملائه الأجانب.
وأضاف أن المهاجمين استخدموا العصيّ وسياط غليظة، إضافة إلى الغاز المسيل للدموع وأجهزة الصعق الكهربائي، مؤكدا أنهم حاولوا الفرار قائلا: “هرعنا خارج المتجر ونحن لا نرى شيئا، لكنهم لاحقونا وواصلوا ضربنا.. ولم يأتِ أحد لمساعدتنا”.
وفي شهادة أخرى، وصف مهاجر يدعى زويليبنزي فيليمبيني خومالو تصاعد الاعتداءات في مناطق محيطة بمدينتي ديربان وبيترماريتسبورغ، مشيرا إلى حوادث طرد للأجانب خلال اضطرابات محلية، وما رافقها من فقدان للممتلكات والأثاث والبضائع التجارية.
ولفت خومالو إلى أن التجار غير الرسميين كانوا الأكثر تضررا، حيث تعرّض بعضهم للنهب وأُجبر آخرون على مغادرة منازلهم.
كما فقد خومالو عمله الأكاديمي كمحاضر في كلية المحاسبة بعد ضغوط ومطالبات من جماعات الحراسة الأهلية بإبعاد الموظفين غير الموثقين داخل السجلات الحكومية، وأصبحت زوجته الآن المصدر الوحيد لدخل الأسرة، في ظل صعوبات مستمرة لتسوية أوضاعهم القانونية.
ويقول مهاجرون آخرون إن هذه الحوادث لم تعد معزولة، بل باتت تؤثر بشكل مباشر على حياتهم اليومية وأمنهم الوظيفي.
لماذا الخشية من انفجار اجتماعي؟
تخشى المنظمات الحقوقية من أن يؤدي استمرار ارتفاع معدلات البطالة والفقر والجريمة، وتنامي الخطاب المعادي للمهاجرين وتحميلهم مسؤولية هذه الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، إلى زيادة الاحتقان الاجتماعي تجاههم، ما يهدد باندلاع أعمال عنف جماعية.
بدوره، أعرب الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش -في 27 أبريل/نيسان الماضي- عن قلقه إزاء تقارير تتعلق بأعمال مضايقة وتمييز وهجمات ذات طابع معاد للأجانب في جنوب أفريقيا.
كما دعت اللجنة الأفريقية لحقوق الإنسان والشعوب الحكومة إلى فتح تحقيق عاجل في أعمال العنف ضد الأجانب ومحاسبة المتورطين فيها، بالإضافة إلى ضمان توفير الحماية والعدالة للمهاجرين المتضررين.
وحذرت منظمة “هيومن رايتس ووتش” من أن تحويل المهاجرين إلى “كبش فداء” يغذي العنف، وأن تحميلهم مسؤولية ارتفاع مستويات الجريمة والبطالة، وتدهور الخدمات العامة، يهدد بتأجيج كراهية الأجانب وتقويض منظومة حقوق الإنسان.
ويكفل دستور جنوب أفريقيا حقوق الإنسان والكرامة والمساواة لجميع المقيمين على أراضيها، دون تمييز بين مواطن ووافد. كما تعد البلاد طرفا في عدد من الاتفاقيات الدولية، أبرزها العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية والميثاق الأفريقي لحقوق الإنسان والشعوب، وهو ما يفرض عليها الالتزام بحماية الأشخاص الخاضعين لولايتها القضائية من الهجمات والتمييز.
المصدر: الجزيرة






