هانا ناتانسون التي طاردها إف بي آي.. الصحافة اقتراب من الناس لا مراقبتهم من بعيد

إيطاليا تلغراف متابعة

في وقت تتراجع فيه الثقة بالإعلام، وتتقلص الوظائف الصحفية، وتتصاعد المخاوف من تأثير الذكاء الاصطناعي على غرف الأخبار، اختارت الصحفية الأمريكية هانا ناتانسون أن توجه رسالة مختلفة تماما إلى طلاب الصحافة الجدد؛ لا تتراجعوا.

وتستخلص الجزيرة نت من رسالة صحفية واشنطن بوست التي نشرنا عنها مقالا سابقا حول مداهمة عملاء إف بي آي منزلها أن الصحافة، رغم أزماتها المتصاعدة، لا تزال قائمة على الشغف بالميدان، والعمل الجماعي، والقدرة على الاقتراب من الناس والإنصات لهم.

كما تؤكد الرسالة أن مستقبل المهنة لن تحدده التكنولوجيا وحدها، بل تمسك الصحفيين بقيمة الحقيقة والدفاع عنها في أصعب الظروف.

ففي خطاب مطول نشرته مجلة جامعة كولومبيا للصحافة (Columbia Journalism Review) وقدّمته ناتانسون أمام خريجي دفعة عام 2026 حاولت الصحفية في واشنطن بوست، إعادة تعريف معنى العمل الصحفي بعيدا عن الأرقام القاتمة التي تلاحق صناعة الإعلام اليوم.

الخطاب، الذي جاء أقرب إلى شهادة شخصية طويلة من قلب غرف الأخبار الأمريكية، لم يقدّم نصائح تقنية بقدر ما رسم صورة قاسية وملهمة في الوقت نفسه عن الصحافة باعتبارها عملا مرهقا، لكنه لا يشبه أي مهنة أخرى.

الصحافة ليست وظيفة.. بل حالة

استهلت ناتانسون حديثها بالاعتراف بأن توقيت دخول الخريجين إلى عالم الصحافة يبدو سيئا بكل المقاييس؛ فالثقة بالإعلام عند مستويات تاريخية متدنية، والوظائف تتراجع، والذكاء الاصطناعي يثير قلقا واسعا داخل المؤسسات الصحفية، بينما تتعرض حرية الصحافة لضغوط سياسية متزايدة.

لكنها سرعان ما انتقلت إلى الفكرة الأساسية التي أرادت ترسيخها: أن الصحافة -رغم كل ذلك- لا تزال أفضل قرار يمكن أن يتخذه الإنسان.

واستعادت الصحفية الأمريكية تجربتها الأولى مع العمل الصحفي حين انضمت إلى صحيفة جامعية أثناء دراستها، بعدما كانت تخطط أصلا للعمل في البحث العلمي.

وقالت إن تغطيتها لإضراب عمال الطعام في جامعة هارفارد كانت اللحظة التي أدركت فيها لأول مرة أنها وجدت المهنة التي لا تشبه الأعمال الأخرى، مستعيدة عبارة كان والدها يرددها دائما: “لم أعمل يوما واحدا في حياتي”، في إشارة إلى شغفه بالبحث العلمي.

وترى ناتانسون أن الصحافة الحقيقية تبدأ عندما يتحول الفضول إلى دافع يومي يدفع الصحفي إلى ملاحقة القصص حتى ساعات الفجر، دون أن يشعر بالملل أو التعب.

الصحفي الجيد لا يخشى الذهاب بعيدا

ومن خلال استعراض سلسلة من تحقيقاتها وتقاريرها، ركزت ناتانسون على فكرة أساسية أخرى: الصحافة تقوم على الاقتراب من الناس، لا مراقبتهم من بعيد.

فهي تحدثت عن سفرها إلى مناطق نائية في ولاية فرجينيا لتغطية كنيسة إلكترونية مخصصة للاعبي الفيديو، وعن مقابلات أجرتها مع ناشطين ومحتجين وأحفاد شخصيات تاريخية، وصولا إلى تغطية قضايا التعليم والصراعات الثقافية داخل المدارس الأمريكية.

وفي كل تلك الأمثلة، كانت الرسالة واضحة: الصحفي لا يكتفي بتجميع المعلومات، بل يذهب إلى الأماكن التي تتشكل فيها القصص فعليا، مهما بدت غريبة أو هامشية.

كما شددت على أهمية الإصغاء للناس حتى في اللحظات الأكثر هشاشة، مستعيدة مقابلات أجرتها مع معلمين فقدوا وظائفهم، وموظفين حكوميين انهارت حياتهم المهنية والشخصية بسبب التحولات السياسية داخل الولايات المتحدة الأمريكية.

افتح دفتر ملاحظاتك حتى في أصعب اللحظات

واحدة من أبرز الأفكار التي حملها الخطاب تمثلت في العلاقة المعقدة بين الصحافة والمعاناة الإنسانية، فناتانسون تحدثت عن لحظات شاهدت فيها أشخاصا ينهارون بالبكاء أمامها أثناء التغطية، لكنها في الوقت ذاته أكدت أن مهمة الصحفي لا تتوقف عند التعاطف، بل تشمل توثيق ما يحدث بدقة مهما كان المشهد صعبا.

وفي إحدى القصص التي روتها، تحدثت عن معلم أمريكي خسر استئنافه القضائي بعد فصله من عمله بسبب حديثه عن الامتياز الأبيض داخل الفصل الدراسي، وقالت إنها كانت تقف في مطبخه عندما تلقى اتصال خسارته القضية، ثم بكى أمامها، وتضيف: “شاهدته يبكي… ثم فتحت دفتر ملاحظاتي”.

هذه العبارة تختصر، بحسب الخطاب، طبيعة الصحافة بوصفها مهنة تتطلب حساسية إنسانية عالية، لكنها تحتاج أيضا إلى القدرة على الاستمرار في التوثيق حتى في اللحظات العاطفية الثقيلة.

الصحافة ليست بطولة فردية

ورغم الصورة التقليدية التي تقدم الصحفي باعتباره بطلا منفردا، ركزت ناتانسون بشكل كبير على فكرة العمل الجماعي داخل غرف الأخبار.

فخلال تغطيتها للتحولات داخل الحكومة الأمريكية في إدارة ترامب الثانية، قالت إنها عملت مع أكثر من 130 صحفيا ومحررا داخل واشنطن بوست، وإن القصص الكبرى لا يمكن إنجازها دون هذا التعاون.

واعتبرت أن الصحافة الاستقصائية الحديثة أصبحت عملا جماعيا معقدا يعتمد على تبادل المصادر والخبرات والتنسيق بين فرق متعددة داخل المؤسسة الواحدة.

ولتعزيز هذه الفكرة، استعادت مقولة رئيس تحرير واشنطن بوست الأسطوري بن برادلي بعد فوز الصحيفة بجائزة بوليتزر عن تغطية ووترغيت، حين قال إن الجوائز لا تذهب للصحفيين الأفراد، بل للمؤسسات الصحفية كفرق عمل متكاملة.

لا تدعوا الإحباط ينتصر

ورغم الطابع الملهم للخطاب، لم تحاول ناتانسون تقديم صورة رومانسية عن الصحافة، بل تحدثت بصراحة عن الإرهاق النفسي، والعمل المتواصل، والخوف الدائم من ارتكاب الأخطاء أو تعريض المصادر للخطر.

كما تحدثت عن تلقيها رسائل من موظفين حكوميين يعانون من الاكتئاب أو الأفكار الانتحارية أثناء تغطيتها لسياسات إدارة ترامب، مؤكدة أن بعض هؤلاء لم يكونوا يبحثون عن نشر قصصهم بقدر ما كانوا يريدون شخصا يصغي إليهم.

وفي ختام خطابها، استعادت نصيحة أخرى من بن برادلي تقول: “لا تدع نفسك تُصاب بالإحباط بسبب سهولة تحول الأمور إلى الأسوأ، أو صعوبة الوصول إلى الحقيقة.. حاول فقط أن تفكر في شيء آخر تفضل القيام به”. ثم أضافت ناتانسون: “أنا لا أستطيع.. ولن أستطيع أبدا”.

وبين أزمة الثقة، والذكاء الاصطناعي، والانقسام السياسي، تبدو الرسالة التي أرادت الصحفية الأمريكية إيصالها بسيطة لكنها شديدة الوضوح: الصحافة قد لا تكون المهنة الأكثر راحة أو استقرارا، لكنها بالنسبة لمن يؤمنون بها، تظل المهنة التي يصعب التخلي عنها.

المصدر: الجزيرة


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...