طهران- أعاد إغلاق مقهى داخل بيت العامري التاريخي في مدينة كاشان الإيرانية ملف الحريات الشخصية إلى الواجهة، بعدما بررت السلطات القرار بتسجيل حالتين من “كشف الحجاب” داخل المنشأة، وهي واقعة بدت لكثيرين أكبر من مجرد إجراء إداري بحق مقهى سياحي.
فالقضية تطرح سؤالا أوسع في إيران بعد الحرب والهدنة، وهو: هل كان التساهل مع حضور النساء غير الملتزمات بالحجاب في بعض مشاهد التعبئة المؤيدة للنظام تحولا في سياسة الدولة، أم مجرد استثناء ظرفي اقتضته الحاجة إلى إظهار وحدة وطنية في لحظة مواجهة؟
بدأت القصة حين أعلن معاون السياحة في إدارة التراث الثقافي والسياحة والصناعات اليدوية في كاشان حجت الله ناصحي بور أن مقهى مجموعة العامري التاريخية أُغلق بسبب “مخالفات” داخله.
وقال ناصحي بور -في تصريح لوكالة “إيسنا”- إن الجهات المختصة أصدرت قرار الإغلاق بعد ورود تقارير عن “حالتين من كشف الحجاب” في المقهى، مضيفا أن إعادة فتحه مرهونة برأي الجهات المسؤولة واستكمال الإجراءات القانونية.
ويكتسب القرار حساسية إضافية لكون المقهى يعمل داخل بيت العامري التاريخي، أو “خانه عامري ها”، وهو أحد أشهر البيوت القاجارية في كاشان، ووجهة معروفة للزوار المحليين والأجانب.
اختبار الحجاب
لاحقا، حاولت وكالة “إرنا” الرسمية حصر نطاق القرار، فنقلت عن ناصحي بور نفيه إغلاق كامل الفندق التاريخي، مؤكدا أن الإغلاق اقتصر على المقهى-المطعم بسبب “عدم مراعاة الحجاب” من قبل عدد من الزبائن، وأن بقية أقسام المجموعة السياحية ما زالت تعمل.
كما أوضحت “إرنا” أن بيت العامري من أكبر وأفخم البيوت التاريخية في كاشان، وتعود جذوره إلى العصر الزندي، مع إضافات عمرانية في العهد القاجاري.
غير أن نفي إغلاق كامل المجموعة لم ينه الجدل لأن أصل القضية ظل قائما، وهو أن منشأة سياحية أُغلقت بسبب لباس بعض زبائنها.
وهنا خرجت الواقعة من إطارها المحلي في كاشان لتصبح ملفا أوسع يتعلق بطريقة تعامل السلطات الإيرانية مع الفضاءات العامة، ولا سيما المقاهي والمطاعم والمراكز السياحية والثقافية، باعتبارها ساحات اختبار لسياسات الحجاب الإجباري.
وتَبرز المفارقة في توقيت القرار، حيث سعى الخطاب الرسمي -خلال فترة الحرب والهدنة- إلى إبراز صورة “الوحدة الوطنية” في مواجهة الخارج، وظهر في بعض مشاهد التعبئة المؤيدة للنظام حضور لنساء غير ملتزمات بالحجاب، ضمن سياق سياسي وإعلامي ركز على الالتفاف الداخلي.
وقد عبّر الصحفي الإيراني ياشار سلطاني عن هذه المفارقة حين ربط بين إغلاق مقهى العامري وشعار “غير المحجبة أختنا أيضا” الذي كان يُرفع أيام الحرب، متسائلا عن سبب تطبيق قانون الحجاب بصورة انتقائية.
وبهذا المعنى، لا تبدو واقعة كاشان مجرد تطبيق لقانون قائم، بل تعبيرا عن ازدواجية في إدارة المجال العام. ففي لحظة الحرب، تقدمت صورة المواطنة المؤيدة على صورة المرأة “المخالفة” لقواعد الحجاب. أما بعد تراجع حدة المواجهة، فعادت أدوات الضبط القديمة إلى الواجهة متمثلة في الإنذار والإغلاق والإحالة القانونية، وتحميل أصحاب المنشآت مسؤولية سلوك الزبائن.
ولا تأتي الواقعة في فراغ سياسي، حيث تعيش إيران -منذ سريان وقف إطلاق النار- نقاشا داخليا بشأن حدود النقد، ومسار التفاوض مع الولايات المتحدة، وطريقة إدارة مرحلة ما بعد الحرب.
ويرى مراقبون أن خطاب الوحدة والتعبئة هيمن خلال الحرب، لكن بعد وقف إطلاق النار بدأت تظهر خلافات سياسية وإعلامية، شملت تحريك دعوى ضد الصحفي عباس عبدي والمحلل السياسي صادق زيبا كلام، إضافة إلى تباينات داخل التيار المحافظ بشأن مسار التفاوض وحدود دعم الوفد الإيراني.
حدود التساهل
ومن هذه الزاوية، يصبح إغلاق مقهى بيت العامري جزءا من عودة أوسع إلى ضبط المجال العام بعد فترة استثنائية، فكما أعادت السلطة رسم حدود النقد السياسي بعد الهدنة، تعود أيضا إلى ترسيم حدود السلوك الاجتماعي، وفي القلب منه ملف الحجاب.
وبذلك يتحول مقهى داخل بيت تاريخي في كاشان إلى نموذج مصغر للتوتر بين خطاب الوحدة الوطنية من جهة، وسياسات الضبط الاجتماعي من جهة أخرى.
وتكشف هذه السياسة عن انتقال عبء فرض الحجاب من الشارع وحده إلى أصحاب الأعمال. فبدلا من مواجهة كل امرأة مباشرة، يجري الضغط على المقهى أو المطعم أو الفندق أو المتجر، ليصبح مسؤولا عمليا عن مراقبة زبائنه، وبذلك تتحول المنشآت الخاصة إلى ذراع غير مباشرة في تطبيق قواعد الحجاب، خوفا من الإغلاق أو الغرامة أو الملاحقة.
أما قانونيا، فإن تعليق مسار تنفيذ قانون “العفاف والحجاب” الأكثر تشددا لم يُنهِ أدوات الضغط القائمة، فقد نقلت وكالة “إرنا” الرسمية عن رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف قوله إن الجهة نفسها التي حددت موعد إبلاغ القانون مددت موعد الإبلاغ، كما أوردت عن عضو هيئة رئاسة البرلمان علي رضا سليمي أن أمانة المجلس الأعلى للأمن القومي طلبت وقف إبلاغ قانون العفاف والحجاب إلى الحكومة ووقف تنفيذه.
وفي تقرير لاحق، ذكرت “إرنا” أن قاليباف أكد أن الحجاب كان له أساس قانوني قبل القانون الجديد، وأن “فراغا قانونيا” لا يوجد في هذا الملف، مما يعني أن تعليق القانون الأشد لم يلغِ أدوات الضبط القائمة.
لذلك، فإن إغلاق مقهى بيت العامري لا يعكس فقط تشددا في ملف الحجاب، بل يكشف حدود التساهل الذي ظهر خلال الحرب والهدنة، فما بدا في لحظة المواجهة انفتاحا اجتماعيا أو قبولا ضمنيا بتنوع المشهد الداخلي، يتضح اليوم أنه كان أقرب إلى استثناء ظرفي فرضته الحاجة إلى صورة وطنية جامعة.
ومع خفوت صوت الحرب، عادت الدولة إلى منطقها القديم: قبول الصورة حين تخدم التعبئة، ومعاقبة السلوك ذاته حين يصبح خارج الحاجة السياسية.
وبين الصورتين، تعود قضية الحجاب إلى موقعها الأصلي في إيران، لا بوصفها مسألة لباس فحسب، بل معيارا لحدود الحرية في المجال العام.
المصدر: الجزيرة






