شرعية المقاومة المسلحة، الحالة الفلسطينية والأخلاق الإسلامية

 

 

 

 

بقلم ذ.إبراهيم بية

 

 

 

يواجه الشعب الفلسطيني منذ قرن من الزمان، إذا احتسبنا مرحلة الاحتلال البريطاني، استعمارا إحلالياََ وحشيًا يهدف إلى إبعاده عن أرضه. في هذا المقال أستعرض حق المقاومة، الذي ينص عليه القانون الدولي، ولكنه غالبًا ما يُنكر على الفلسطينيين. فكثيرًا ما تُعتبر مقاومتهم من أجل التحرر إرهابًا، ليس فقط من قبل المستعمر وحلفائه، ولكن أيضًا من قبل بعض من يزعمون الدفاع عن حقوقهم.

يُعد حق تقرير المصير للشعوب أحد الأعمدة الأساسية للقانون الدولي، الذي نص عليه ميثاق الأمم المتحدة. ينص هذا المبدأ على أن لكل شعب الحق في تحديد وضعه السياسي والاقتصادي والثقافي بشكل مستقل دون تدخل خارجي. وفقًا للمادة الأولى من ميثاق الأمم المتحدة، فإن هدف المنظمة هو تعزيز “علاقات ودية بين الأمم تقوم على احترام مبدأ المساواة في الحقوق وحق تقرير المصير للشعوب”. كان هذا المبدأ محوريًا في عملية إزالة الاستعمار خلال القرن العشرين وما زال مهمًا للشعوب المضطهدة التي تسعى إلى التحرر من الاحتلال أو الأنظمة الاستبدادية.

المقاومة السلمية أم المسلحة: معضلة تاريخية

على مر التاريخ، حاولت العديد من حركات التحرر الحصول على الاستقلال وتقرير المصير عبر وسائل سلمية. المثال الأبرز على هذا النهج هو الهند بقيادة المهاتما غاندي، حيث قادت المقاومة السلمية إلى إنهاء الحكم الاستعماري البريطاني. ومع ذلك، رغم أن المقاومة السلمية حققت نجاحات في بعض السياقات، في حالات أخرى، كانت المقاومة المسلحة الوسيلة الوحيدة لتحقيق الحرية.

حركات مثل تلك في إيطاليا خلال المقاومة ضد الفاشية، في الجزائر ضد الاستعمار الفرنسي، في فيتنام ضد الاحتلال الأجنبي الفرنسي ثم الأمريكي، وفي جنوب إفريقيا ضد نظام الفصل العنصري، تظهر كيف كانت المقاومة المسلحة ضرورية في كثير من الأحيان لتحرير الشعوب من الاحتلال القمعي. نيلسون مانديلا، زعيم الكفاح ضد الفصل العنصري في جنوب إفريقيا، قال: “المستعمر هو الذي يحدد الأسلحة التي يمكن للمستعمر أن يقاتله بها”. يشير هذا المفهوم إلى أنه عندما يتم قمع أو تجاهل الوسائل السلمية، تصبح المقاومة المسلحة استجابة مشروعة للظروف التي يفرضها القمع.

اعترف المجتمع الدولي من خلال عدة قرارات للجمعية العامة للأمم المتحدة في بعض السياقات بشرعية الكفاح المسلح من أجل تقرير المصير. مثال حاسم على ذلك هو قرار الأمم المتحدة 37/43، الذي تم تبنيه في 3 ديسمبر 1982، وينص على: “الاعتراف بشرعية كفاح الشعوب من أجل الاستقلال والسلامة الإقليمية والوحدة الوطنية والتحرر من الاحتلال الاستعماري والأجنبي والأنظمة العنصرية بجميع الوسائل المتاحة، بما في ذلك الكفاح المسلح”. يؤكد هذا القرار أنه في سياقات الاحتلال والقمع، يحق للشعوب استخدام أي وسيلة متاحة لها، بما في ذلك المقاومة المسلحة، لتحقيق الحرية والاستقلال.

الاستعمار الصهيوني والقضية الفلسطينية

مثال حديث على كفاح من أجل تقرير المصير هو القضية الفلسطينية. الاستعمار الصهيوني هو مشروع استيطاني يهدف إلى انتزاع الأرض من الفلسطينيين واستبدالهم بالمستوطنين، كما تشير الوثائق التأسيسية للصهيونية. بعد إنشاء دولة الاحتلال الصهيوني عام 1948، تم طرد نحو 700 ألف فلسطيني من أراضيهم، وهي حقيقة لا تزال قائمة حتى اليوم. عدد اللاجئين الفلسطينيين سواء داخل فلسطين التاريخية أو خارجها كبير جدًا، وحقهم في العودة هو أحد النقاط المحورية في كفاحهم من أجل تقرير المصير.

على مر السنين، تم قمع محاولات المقاومة السلمية من قبل الفلسطينيين بوحشية. الهجمات على القرى السلمية في الضفة الغربية من قبل الجيش والمليشيات الاستيطانية، أو القمع العنيف لمسيرات العودة في غزة عام 2018، هي أمثلة على كيفية قمع المقاومة غير المسلحة بالقوة. في ظل هذه الظروف، يرى الفلسطينيون أن المقاومة المسلحة هي استجابة مشروعة للاحتلال الإسرائيلي المستمر منذ عقود.

هل حماس حركة مقاومة؟

تحصل لنا مما سبق أن المقاومة المسلحة هي حق للشعب الفلسطيني الذي يمارسه بالشكل الذي يراه مناسبًا بناءً على الظروف التي يحددها المحتل. لذلك، إذا اعتبر الشعب الفلسطيني حماس، وهي اختصار لـ”حركة المقاومة الإسلامية”، حركة مقاومة، فلا يسعنا إلا أن نعترف بذلك، حيث يعود للشعوب المضطهدة حق تقرير الوسائل التي يختارونها لنيل حريتهم.

ومع ذلك، يجب أن تلتزم أي مقاومة تعلن نفسها إسلامية بالقيم والمبادئ الأخلاقية للإسلام. يفرض الإسلام قواعد أخلاقية صارمة حتى في زمن الحرب، ويحرم العنف العشوائي ويحمي المدنيين. يقدم القرآن الكريم والسنة النبوية توجيهات أخلاقية واضحة حول السلوك في الحروب.

في القرآن، يقول الله تعالى في سورة البقرة: “وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ”. توضح هذه الآية أن المسلمين، حتى أثناء الدفع المسلح عن أنفسهم، يجب أن يلتزموا بمعايير أخلاقية وألا يتجاوزوا الحدود التي تفرضها.

وبالمثل، أكد النبي ﷺ على أهمية احترام بعض القيم، فقال لقادته العسكريين المشاركين في الجهاد دفاعًا عن المجتمع الإسلامي الناشئ: “لا تَخُونُوا ولا تَغُلُّوا ولا تُمَثِّلُوا ولا تَقْتُلُوا وَلِيدًا ولا امْرَأَةً ولا شَيْخًا كَبِيرًا” (سنن أبي داود، 2614). هذه المبادئ تشير إلى أن المقاومة المسلحة، إذا تمت، يجب أن تُدار دائمًا في إطار الأخلاق الإسلامية، التي هي أكثر “ضمانة” من القانون الدولي الإنساني.

الخاتمة

حق تقرير المصير هو أحد المبادئ الأساسية للقانون الدولي، وفي العديد من الحالات، تم اعتبار المقاومة المسلحة ردًا مشروعًا على الاستعمار والاحتلال الأجنبي. ومع ذلك، يجب أن تكون المقاومة المسلحة أيضًا محكومة بمبادئ أخلاقية وقانونية تحمي حقوق الإنسان وتضمن سلامة المدنيين. ويقدم الإسلام، من خلال القرآن الكريم والأحاديث النبوية، إطارًا واضحًا لأخلاقيات الحرب، والذي يجب أن يوجه دائمًا من يتبنون المقاومة المسلحة.

إيطاليا تلغراف

 


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...