الجزائر… حين تتحول الأحلام إلى أضغاث كوابيس في بحر الهروب

 

 

 

 

ذ.عبد الله مشنون
كاتب من ايطاليا

 

 

في ليلة حالكة من ليالي الجزائر، توافدت القوارب كالعصافير الفزعة من جحيم الطغيان، صوب ضفاف الأندلس الجديدة، إبيزا. ليس ليقضوا إجازة الصيف، بل ليهربوا من لهيب الوطن إلى رمضاء الغربة. 101 مغامراً على متن قارب واحد، بينهم نساء وحتى طفل رضيع، في محاولة يائسة للوصول إلى ما وراء البحار؛ جزر الباليار الإسبانية التي باتت وجهة “الحراكة” الجدد. الجزائري الذي يجازف بحياته بين أمواج البحر لم يعد ذاك المهاجر الكلاسيكي الباحث عن الأمل، بل أصبح، بفضل سياسة حكومته الرشيدة، بطلاً في قصص

المآسي اليومية. لقد تجاوز عدد المهاجرين هذا العام 2828 فردا في 167 قارباً، متفوقا على إحصائيات العام الماضي، وهو إنجاز مذهل آخر يُضاف إلى سجل الحكومة الجزائرية التي لا تمل من تقديم المزيد من أبناء شعبها قرابين على مذبح الهروب الجماعي.

النظام الجزائري، الذي يملك كل شيء ولا يعطي شيئاً، يواصل بعزم وإصرار سياسته في الهروب إلى الأمام، أو بالأحرى في دفع شعبه للهروب إلى الأمام… أو البحر. فبينما يبيع القادة الجزائريون الأحلام الوردية لشعبهم، يجد المواطن البسيط نفسه في رحلة إلى المجهول، حيث يدفع ما يعادل 3000 و4000 يورو للجلوس في قارب أقرب إلى تابوت عائم منه إلى وسيلة نقل. وبينما تنهمك الحكومة الجزائرية في إقناع العالم بأن الشعب يعيش في نعيم دائم، تتزايد أعداد “الحراكة”المتجهين إلى أوروبا، في صورة هزلية للسياسة الحكومية. فالرحلة التي تبدأ من سواحل وهران ومستغانم نحو إسبانيا، ومن تيبازة والشلف نحو أليكانتي، ما هي إلا تجسيد حي للفشل المتكرر في إدارة البلاد، وكأن الحكومة تقيم مسابقة “من يغرق أولاً”.

وإن تساءل أحدهم عن دور الحكومة الجزائرية في منع هذه الكارثة، فالجواب بسيط: إنها تُفضل التعامل مع مشكلة الهجرة بنفس الاستراتيجية التي تتعامل بها مع مشاكل البلاد الأخرى… أي تركها لتتفاقم! الحكومة في الجزائر ليست سوى مشاهد صامت لهذه المهزلة، تشاهد شعبها يفرُّ من “جنة الغاز” إلى الموت في البحر. لقد تحولت أحلام الجزائريين إلى كوابيس، ولا غرابة في ذلك عندما يكون الحاكم مستمتعًا برفاهية قصره والتابعين له مستمتعين بأموال الشعب. الجزائري الذي يفرُّ من بلاده ليس شخصا فاقدا للعقل، بل هو ضحية حكومة عاجزة عن توفير أبسط مقومات الحياة. أيها الجزائري، إننا نشعر بألمك ونتضامن معك؛ فهروبك هو صرخة مكتومة في وجه نظام يتقن فنون الظلم وإدارة الأزمات بطريقة تثير الشفقة والسخرية.

إيطاليا تلغراف

 


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...