عيد ميلاد برائحة الوثائقي يا حبيب !

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

د. الحبيب ناصري

 

 

أعتز بكوني ولدت في زمن، لم يكن أحد، لا في حومتي ولا زنقتي ولا عائلتي ولا مدرستي يحتفل بعيد ميلاده. بل أعتز لأنني أنتمي لجيل، كان لا يعرف تاريخ ومكان ولادته، إلا حينما يسمع ذلك من معلمه وهو ينادي عليه لغرض إداري ما، وإن طلب منك أحد، لغرض ما، تاريخ ولادتك ومكانها، فلابد من طلب من لديه مفتاح الصندوق الخشبي (أبوك أو أمك)، لفتحه وإخراج الحالة المدنية، وتسجيل ذلك في ورقة صغيرة لقراءة يوم وشهر وسنة ولادتك ومكانها، على من طلب ذلك، أو تسليمه تلك الورقة الصغيرة. الفقر والأمية، كانا معممين على الجميع تقريبا، والمحظوظ، من كانت أسرته تملك الحالة المدنية وعقد زواج والديه. حتما كان عيد الميلاد غائبا من حياتنا. كنا لا نحتفل، وعلى إيقاعات العيطة والرما والمرقة والسفه، إلا بمناسبة زواج أو عقيقة، وفي خيام وساحات البادية أو فوق سطوح المنازل. لم يكن في زمننا لا قاعة حفلات ولا ممون حفلات.
الاحتفال بعيد الميلاد، وسماع، عيد ميلاد سعيد، أو joyeux anniversaire، كانت جملة غائبة من معجمنا الثقافي الشعبي، وإن حضرت، فإنها تحضر في نص نقرأه في المدرسة، وفي سياق ثقافي نصراني.
في مثل هذا اليوم خرجت للوجود. في مثل هذا اليوم كانت صيحتي الأولى. خرجت لحياة وفق ما قدره الله. رحم الله والدتي التي حملتني في بطنها مدة تسعة شهور، وكلما بدأت أكبر، كانت تحكي العديد من الحكايات، جلها دونته.

هذا هو جيلي الذي عاش وتربى في كتاب ومدرسة عمومية. لم يصرف عليه والداه، ماعدا “لاربعية” الفقيه، والباقي كان مجانا طيلة الحياة. حتى تلقيحه تم في المستشفيات العمومية وفي المدرسة العمومية، وبشكل جماعي. جيل عاش جماليات الفقر، وتلذذ “ديمقراطية” الأمية المعممة في كل البيوت والدروب. جيل رباه المعلم، أحمد بوكماخ، صاحب سلسلة اقرأ التي تعلمت فيها أجيال عديدة، وكان صالحا لكل زمكان. كيف لجيل أن يشتري قطعة حلوى ويكتب عليها سنه واسمه وعيد ميلاد سعيد، ويغرس فيها شموعا، كانت تصلح فقط لإضاءة البيت؟. ومن كان يبيع هذه الحلوى في ذلك الزمن؟. كنا لا نراها إلا في نص مدرسي بالفرنسية، وحينها كنا نتلذذها ونسأل أنفسنا كيف تؤكل ؟ هل تؤكل كالمرق بخبز الشعير أم كما يؤكل الكسكس (باللكمة)؟.

نهضت هذا الصباح، ووجدت العديد من التبريكات في وسائط التواصل الاجتماعي مرسلة إلي بمناسبة السابع من شهر شتنبر، وهو اليوم الذي ولدت فيه. بكل تأكيد الحياة تطورت، والتكنولوجيا أصبحت تأسر تفاصيل عيشنا وحياتنا، وتتجسس على أنفاسنا للتعليب والتحكم والبيع. يتصادف عيد ميلادي بوجودي، في ضيافة جبال أوزود الجميلة، مشاركا في لجنة تحكيم مسابقة الأفلام الوثائقية، وذلك في إطار الدورة الثانية للمهرجان الدولي لسينما الجبل، والذي تنظمه وتشرف عليه مؤسسة صوت الجبل. هذا المساء، وفي حفل اختتام هذا المهرجان، سنعلن عن الفائزين بجوائز المهرجان. وقبل حفل الاختتام، لازال أمامنا مشاهدة ثلاثة أفلام وثائقية هذا الصباح. وبهذا سيكون هذا اليوم، يوم ميلادي، برائحة الوثائقي. ونعم الرائحة، لاسيما وأنا في ضيافة جبال المتوسط التي قاومت المستعمر الفرنسي، ولقنته درسا تاريخيا لا ينساه. جبل له معجمه التاريخي والثقافي ورموزه الوطنية التاريخية الكبيرة، وما عليك وأنت في حضرته إلا المشي بتواضع.. وترك “حيل” أهل المدينة هناك بين عماراتها المسكونة برائحة التمدن وفق ما قاله ابن خلدون رحمه الله.الجبل يولد لديك الإحساس بالنخوة والعلو. لا يمكن لك وأنت في حضنه إلا أن ترى من فوق، ومن يراك، يراك من تحت، وهذه الرؤية/الرؤيا لها دلالاتها في التحليل الفيلمي السينمائي الروائي. اسألوا فقهاء السينما إن كنتم لا تعلمون! .

عيد ميلاد سعيد يا حبيب، وأنت في ضيافة الجبل، وبين أهل الجبل، وفي حضن “قبيلة” السينمائيين..كبرت وأصبحت تحتفل بعيد ميلادك، ولو باستحضار من ولدتك لتترحم عليها، وتفتح حسابك في الفايس بوك، وتجد أهلك وطلبتك وأصدقاءك، يباركون لك عيد ميلادك، ويرسلون لك قطع حلويات وورود عديدة، وأنت الذي كان جيلك لا يعرف غير “بلعمان” و”الحميضة” التي كان يصنع بها “بولفاف” البارد، ولا يأكل اللحم إلا مرة واحدة في الأسبوع (ليلة السوق)، أما الموز والتفاح، فهما خاصان بالمريض. فعلا العالم تغير..
وعيد ميلاد سعيد يا حبيب ..وكل عام وأنت في حضن الجبل والوثائقي.. وشكرا لمن أرسل ورودا جميلة..

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...