مأساة المثقفين في عصور الاستبداد: هدى شعراوي أنموذجًا

 

 

 

وضاح عبد الباري طاهر

 

 

 

تعود معرفتي بالشاعر الكبير محمد الأسمر إلى الأستاذ الدكتور محمد المختار الشنقيطي. عرفت الدكتور محمد المختار -أول ما عرفته- في مصلحة الجوازات، وكانت بيده رواية لا أذكر هل كانت باللغة الإنجليزية أو الفرنسية؟
ربما كان تواجده في ذلك المكان بشأن تجديد إقامته. ثم إني عرفته من خلال كتاباته التي أثارت جدلاً كبيرًا حينها، ومن مقالاته تلك التي أذكرها «موطن الداء في حضارتنا الإسلامية».
ثم إنه خاص نقاشًا ساخنًا مع الدكتور عبد الكريم زيدان المحاضر بجامعة صنعاء في ذلك الوقت. لم أُحط ْخبرًا بهذا النقاش إلا عن طريق الأخ والصديق العزيز محمد محمود ولد محمد الشنقيطي الذي كنت أزوره في السفارة الموريتانية؛ للحديث، وشرب الشاي الأخضر الذي يجيد تحضيره، ويطول انتظاره!
أحببتُ علماء شنقيط منذ صغري، وكنت كثير الإعجاب بهم، جمَّ الثناء عليهم؛ لأن مدرستهم حافظت على ذلك النظام التعليمي العظيم الذي أخرج كبار علماء العالم الإسلامي في زبيد والزيتونة والقيروان والأزهر وغيرها من مدن وحواضر الإسلام في العراق والشام والمغرب العربي.
ولا زلت أذكر جدتي الفاضلة غنية إبراهيم عتيق -رحمها الله- تحدثني عن أختها جدتي زينت، وإصابتها بمرض كاد يذهب عقلها، ثم قيام الشيخ الشنقيطي المهاجر في مدينة اللحية بعلاجها، وشفيت بحمد الله على يديه.
كما أن كثيرًا من علماء شنقيط قدموا مع الإمام محمد بن علي الإدريسي- حاكم صبيا والمخلاف السليماني إلى تهامة اليمن، وكان بعضهم من كبار مستشاريه وعلى جانب عظيم من العلم.
كان حينها صديقي ولد محمد صافًا مع ابن بلدته الشاب محمد المختار، ويقول: إنه بَذَّ الشيخ الكبير زيدان وأفحمه بسعة علمه واطلاعه وقوة حجته. وأنا لا أستبعد ذلك؛ فمن قرأ ما يكتبه الأستاذ محمد المختار، وتابع حواراته التي تجريها معه «قناة الجزيرة»، يعلم منزلته في العلم. وقديمًا تغلب الشاب والأديب بديع الزمان الهمذاني على أديب خوارزم الأسنِّ منه الخوارزمي.
سافر صديقنا ولد محمد إلى بعض الدولة الخليجية طلبًا للمعيشة؛ تاركًا لي كتبه عند أحد الأصدقاء الموريتانيين، ثم انقطعت أخباره منذ ذلك الوقت. فالله يرعاه ويحفظه.
بعد أن ترك الأستاذ محمد المختار الشنقيطي اليمن حصل على منحة لمواصلة دراسته العليا في الولايات المتحدة، ونال شهادة الدكتوراه فيها عن الحروب الصليبية.
ولنعد الآن إلى الشاعر الأسمر. فالدكتور الشنقيطي اقتبس أبياتًا له عن التاريخ ذكرها في كتابه «الخلافات السياسية بين الصحابة»، وأعجبتني الأبيات كثيرًا؛ فضمنتها في صفحة كتابي «ضحايا المؤرخين»، الصادر في العام 2007. وفي رأيي أنه لم ينصف التاريخ أحدٌ كما أنصفه الأسمر والرصافي -رحمهما الله.
ومن هنا بدأت أبحث عن ديوان الأسمر فوجدته، لكني لم أجد الأبيات؛ لأن الديوان لم يكن مرتبًا على القوافي فأهتدي إليها بسهولة؛ وإنما كان مرتبًا على الموضوعات، ثم إني عدت إليه ثانية؛ وفيما أنا أتصفح فهرسته وقفت فيه على قصيدةٍ له يرثي الأستاذة الكريمة هدى شعراوي.
يا إلهي! أَوَ تكون هي هدى التي قرأت عنها في كتاب «واقعنا المعاصر»، للأستاذ محمد قطب في مقررنا الدراسي بجامعة صنعاء؟!
كم كانت هي قاسية ومؤلمة تلك الكلمات التي سطرها قطب عنها في كتابه هذا إلى جانب غيرها من النساء المصريات.
يمكن لأي قارئ الرجوع إلى هذا الكتاب، لكنني لا يهمني الآن ما ذكره قطب؛ بقدر ما يهمني هو سيرة هدى شعراوي المضيئة التي ذُكِرت في هذا الديوان، ورثاء صاحب الديوان لها؛ وهو هو أحد خريجي الأزهر الشريف.
فمن هو الشاعر محمد الأسمر؟
درس محمد الأسمر بمدرس القضاء الشرعي. وتحدث عنه شيخ الجامع الأزهر محمد مصطفى المراغي- تلميذ الأستاذ محمد عبده، فقال: “إن الأستاذ الأسمر رفع من شأن خريجي الأزهر في مناسبات مختلفة أمام الهيئات التي لم تتصل بالتعليم الأزهري عن كثب”.
وقال شيخ الجامع الأزهر مصطفى عبد الرازق مخاطبًا له: “ولشعرك تأثير في نفسي أحسبه يفوق ما يفعل الشعر؛ ذلك أنه فيض نفس أحبها، وقد يكون سحرًا ذلك الذي ترسله نغمًا موسيقيًا في أسلوب سهل؛ فيسري في الأرواح، ويفجر العواطف خلالها تفجيرا”.
وقال عنه أنطون باشا الجميل: “وشعر الأسمر مزيج من الحقيقة والخيال. يرتفع الشاعر حينها في جو التصور؛ فيصور ما يخلو له الخيال، ويغوص إلى أعماق النفس حينًا؛ فيروي ما يشعر به حِسُّه، ويدرج أحيانًا في عالم الحقائق المجردة؛ فيصف شؤون الحياة كما هي جميلة أو شوهاء، سعيدة أو مبتئسة؛ مُفترَّة الثغر أو مقطبة الجبين.. ولما كان شاعرنا خبيرًا بأساليب النظم، عليمًا بأسرار القوافي؛ فإن التعبير يجيئه في هذه المواقف طيِّعًا، ويلبيه مؤديًّا لما يريده”.
ومَنْ تكون هدى شعراوي إذن؟
كتب عنها الكاتب الأديب الأستاذ حمدي عبد القادر أنها:
ولدت في 22 يونيو سنة 1879. ووالدها هو المرحوم محمد سلطان باشا- رئيس أول مجلس نيابي في مصر؛ قائمقام الخديو في الثورة العرابية.
تزوجت في مطلع شبابها بابن عمها علي شعراوي باشا- عضو الجمعية التشريعية، وأحد الثلاثة العظماء: سعد باشا زغلول، وعبد العزيز باشا فهمي الذين زاروا المندوب السامي البريطاني للمطالبة باستقلال مصر عقب الحرب العالمية الأولى.
عقب اندلاع لهيب الثورة المصرية في سنة 1919 تزعمت الحركة النسائية، ولم تتوانَ منذ ذلك العهد بالجهاد مع زميلاتها في سبيل استقلال مصر.
في سنة 1922 ألفت «الاتحاد النسائي المصري»، وقد حرصت -رحمها الله- على حضور جميع المؤتمرات النسائية العالمية؛ لتكون فيها صوت المرأة المصرية العالي.
بذلت بسخاء لإنشاء معاهد التعليم في القاهرة، والمنيا، وإقامة المنشآت الصحية، ودعم المؤسسات الخيرية والصناعية، والأخذ بيد الأدباء والفنانين الناشئين؛ بما أوجدته لهم من جوائز سنوية مستمرة، وكانت تخصص جزءًا من مالها تنفقه على كثير من العائلات المصرية الفقيرة.
لم يقتصر نشاطها على قضيتها وطنًا، أو امرأةً؛ بل امتدت إلى المستوى العربي القومي سياسيًا واجتماعيًا؛ مثل قضية لبنان وسوريا، وقد كرمت من هذين البلدين بأرفع أوسمتها؛ شكرًا لصنيعها، واعترافًا بجهودها.
ولم تغبْ قضية فلسطين عن قاموس كفاحها، ولم تألُ جهدًا في الدفاع عنها بعقد الاجتماعات في مصر، وحضور المؤتمرات في الخارج من أجل هذه القضية التي لا زلنا نعيش فصول مأساتها حتى اليوم؛ بسبب تخاذل وتواطؤ الحكام العرب.
توفت رحمها الله في 13 / 12/ 1947.
نظم الشاعر محمد الأسمر هذه القصيدة رثاءً لها، وألقاها في حفلة كبرى أقيمت لتأبينها بعد وفاتها في «دار الاتحاد النسائي»:
على مثلها فليبكِ من كانَ باكيا* ويرثِ العُلا والفضلَ من كان راثيا
يُرَخِّصُ فرطُ الحزن في الدمع بعدها* ويُرْخِصُ منه كلَّ ما كان غاليا
بكاها رجالُ الشرقِ قبل نسائهِ * وقامت عليها الصالحاتُ بواكيا
مشيتُ وراء النعشِ أذرفُ عبرتي* على المُثُلِ العُليا ولستُ مُغاليا
وحُقَّ لها مني البكاء؛ فهي طالما* محت بيديها حُزنَ من جاء باكيا
وقالوا: ارثها، يا قوم كيف رثاؤها؟ * مصابُ هدى أنسى لساني القوافيا
فبتُّ كأني لستُ للشعر ناظمًا* وحتى كأني لستُ للشعر راويا
تحطم قلبي وهو قيثارتي التي* نظمتُ عليها قبل ذاك كلاميا
فلا تعجبوا للشعر إن هو خانني * وصار بعيدًا بعد ما كان دانيا
زعيمةُ وادي النيل، ما الموت؟ خبري* عن الموت إني قد سئمتُ حياتيا!
أتحتَ الثرى ظُلمٌ كما هو فوقَهُ* وأحقادُ أقوامٍ تجولُ أفاعيا؟!
أتحتَ الثرى فقرٌ فيمشي جائعًا* به بعضُ من فيه، ويرقدُ عاريا؟!
أتحتَ الثرى جهلٌ تبيت جماعةٌ * بهِ في ظلامٍ- لابَسَ العقلَ داجيا؟!
أتحتَ الثرى مرضى تئنُّ أنينها * بهِ ثم لا تلقى الطبيبَ المداويا؟!
أتحت الثرى هذا الخصام الذي مشتْ * به كل أبناء الحياة ضواريا؟!
زعيمة وادي النيل، تلك حياتُنا * وكنتِ بها هديًا من الله هاديا
فكنتِ أمامَ الظلمِ ضيغمَ غابةٍ * يذودُ عن الأشبالِ من جاءَ عاديا
ولم يعرف الأحقادَ قلبك بل حوى* من الصفح والغفران ما كان حاويا
وأنت التي ألبستِ مَنْ كان عاريًا* وأنت التي أطعمتِ من جاءَ طاويا
وأنت التي علَّمتِ من كان جاهلاً * فأصبح نبراسًا يُضيء الدياجيا
وكنتِ تواسينَ المريضَ إذا شكا * وباتَ وحيدًا ليس يلقى المُواسيا
وكنتِ لكلِّ الناس أمًّا رحيمةً * تغيثين من ناداك حتى الأعاديا
فلما دعاكِ اللهُ نحو جوارهِ * مضيتِ وأمسى ذكرك اليوم باقيا
وأخيرًا،
لا يخفى أنَّ كل هذه الأدواء التي ذكرها شاعرنا الكبير لا تزال تفتك بنا، ونعيش مرارتها وبؤسها حتى يومنا هذا؛ وقد صارت ثقافةً تلقيناها في مدارسنا وجامعاتنا، ويتلقاها الآن من بعدنا أبناؤنا وبناتنا في مدارسهم وجامعاتهم، وإنْ بشكلٍ مختلف؛ إنها كما قال الشاعر إيليا أبو ماضي:
…جِراحُ نفسٍ ينظرُ الآسي لها * فيعود محتاجًا لآخرَ آسي!
ارفعوا أيديكم أيها الطائفيون المثقلون بأدواء الكراهية، وأمراض التعصب، وأحقاد القرون الغابرة- من التعليم!
اتركوا هذا الجيل يبصر نور العلم، ويتنسم أرواح الحرية؛ فيعمل بأحكام العقل، ويتمثل قيم الدين السمحة السهلة؛ ودعوا هذه الأفاعي التي تُلقونها في أوساط أبنائنا الطلاب- تنهشْكُم وحدكم؛ فهي -وحدها- كفيلة بالقضاء عليكم!

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...