المحروقات تنخفض بـ60 سنتيما للبنزين و40 للغازوال.. هل بدأ أثر الهدنة في الشرق الأوسط بالظهور أم أن الأسعار في المغرب لا تزال أعلى من نظيرتها في السوق الأولية؟
أنعش اتفاق الهدنة بين الولايات المتحدة وإيران آمال المغاربة في تراجع أسعار المحروقات، بعدما فقد النفط جزءا مهما من مكاسبه المرتبطة بمخاوف الحرب في الشرق الأوسط، فيما سارعت شركات التوزيع إلى الإعلان عن خفض جديد بـ60 سنتيما للبنزين و40 سنتيما للغازوال ابتداء من اليوم الثلاثاء.
وأعاد هذا التطور، فتح واحد من أكثر الملفات الاقتصادية إثارة للجدل في المغرب، بعدما اعتبرت أصوات مهنية أن الأسعار المطبقة ما تزال بعيدة عن المستويات التي تسمح بها الأسواق الدولية وسط تساؤلات متزايدة حول المستفيد الحقيقي من تراجع النفط، المستهلك أم شركات المحروقات.
ولا يتعلق الأمر هذه المرة بمجرد مراجعة دورية لأسعار الوقود كما جرت العادة منذ سنوات بل بتطور دولي أعاد رسم المشهد الطاقي العالمي في ظرف ساعات قليلة، فالاتفاق الذي أفضى إلى وقف التصعيد بين الولايات المتحدة وإيران لم ينعكس فقط على أسواق المال والبورصات العالمية، بل أدى مباشرة إلى تراجع أسعار النفط الخام بعد أسابيع من الارتفاعات المرتبطة بالمخاوف من اندلاع مواجهة واسعة في منطقة الخليج.
وكانت أسعار النفط قد ارتفعت خلال الأيام التي سبقت الإعلان عن الهدنة إلى أعلى مستوياتها منذ أشهر بسبب مخاوف المستثمرين من احتمال تعطيل الملاحة في مضيق هرمز، الذي يمر عبره ما بين 20 و25 في المائة من تجارة النفط العالمية المنقولة بحرا فيما ومع إعلان التهدئة بدأت الأسواق في التخلص من ما يعرف اقتصاديا بـ”علاوة المخاطر الجيوسياسية” وهي الزيادة التي تضيفها الأسواق إلى الأسعار تحسبا لاضطرابات مستقبلية محتملة في الإمدادات.
وتكتسي هذه التطورات أهمية خاصة بالنسبة للمغرب بالنظر إلى اعتماده شبه الكامل على استيراد حاجياته من الطاقة فمنذ توقف نشاط مصفاة سامير بالمحمدية سنة 2015، أصبح المغرب يستورد المنتجات النفطية المكررة بشكل كامل تقريبا من الأسواق الخارجية وهو ما جعل الاقتصاد الوطني أكثر ارتباطا بتقلبات الأسعار الدولية سواء تعلق الأمر بالنفط الخام أو بالمشتقات النفطية الجاهزة للاستهلاك.
وتكشف بيانات مكتب الصرف أن فاتورة واردات الطاقة ظلت خلال السنوات الأخيرة من بين أكبر بنود الواردات المغربية ففي سنة 2025 تجاوزت قيمة واردات منتجات الطاقة عشرات المليارات من الدراهم رغم تراجعها مقارنة بمستويات الأزمة الطاقية التي أعقبت الحرب الروسية الأوكرانية، فيما استمرت المحروقات في التأثير المباشر على معدلات التضخم وكلفة النقل والإنتاج والأسعار الاستهلاكية.
ويفسر خبراء الاقتصاد هذه العلاقة المباشرة بكون الغازوال تحول خلال العقود الأخيرة إلى العمود الفقري للاقتصاد المغربي، بالنظر إلى هيمنته على مختلف حلقات الإنتاج والتوزيع والاستهلاك فبحسب المعطيات الرسمية المتعلقة باستهلاك المشتقات النفطية، يمثل الغازوال أكثر من 70 في المائة من إجمالي استهلاك المحروقات بالمملكة، كما تعتمد عليه الغالبية الساحقة من أسطول النقل الطرقي للبضائع والمسافرين الذي يؤمن أكثر من 90 في المائة من حركة نقل السلع داخل التراب الوطني.
ولا يقتصر حضوره على قطاع النقل لوحده بل يمتد إلى الأنشطة الفلاحية عبر تشغيل الآليات والمضخات الزراعية وإلى قطاعات البناء والأشغال العمومية والصناعة والخدمات اللوجستية ما يجعل أي ارتفاع أو انخفاض في سعره ينتقل بسرعة إلى مختلف سلاسل القيمة الاقتصادية وينعكس بشكل مباشر على أسعار المنتجات والخدمات التي يستهلكها المواطن يوميا.
وفي هذا السياق، قال الخبير الاقتصادي عبد الصمد الكتاني إن “أهمية تراجع أسعار المحروقات تقاس بالأثر المباشر على كلفة ملء خزانات السيارات لكن أيضا بوقعها على الاقتصاد الوطني بأكمله، لأن الغازوال أصبح اليوم بمثابة الدم الذي يجري في شرايين الاقتصاد المغربي”.
وأضاف في تصريح لـ”الصحيفة” أن “كل انخفاض بدرهم واحد في سعر الغازوال ينعكس على آلاف العمليات الاقتصادية اليومية من نقل الخضر والفواكه من الضيعات الفلاحية إلى أسواق الجملة، إلى توزيع السلع الاستهلاكية بين المدن، وصولا إلى كلفة الخدمات اللوجستية والصناعية”.
وأوضح الكتاني أن المغرب ما يزال من بين الاقتصادات المستوردة للطاقة بشكل شبه كامل حيث تتجاوز التبعية الطاقية للمملكة 85 في المائة، وهو ما يجعل أي تراجع في أسعار النفط الدولية بمثابة متنفس مهم للاقتصاد الوطني.
وتابع أن “انخفاض أسعار النفط لا يخفف فقط فاتورة الاستيراد التي تستنزف سنويا عشرات المليارات من الدراهم، بل يساهم كذلك في الحد من الضغوط التضخمية التي عانى منها المغرب خلال السنوات الأخيرة، خصوصا أن الطاقة والنقل يدخلان بشكل مباشر أو غير مباشر في تكوين أسعار معظم السلع والخدمات”.
ويرى الخبير الاقتصادي أن الأثر الحقيقي للتراجع الحالي في الأسعار سيظهر خلال الأسابيع المقبلة إذا استمر الانخفاض في الأسواق الدولية، موضحا أن “المؤشرات الأولية توحي بأن الاقتصاد المغربي قد يستفيد من هذه التطورات على ثلاثة مستويات متزامنة أولها دعم القدرة الشرائية للأسر، وثانيها تخفيف أعباء المقاولات، وثالثها تقليص الضغط على الميزان التجاري واحتياطات العملة الصعبة”.
غير أن الخبير شدد في المقابل على أن الاستفادة الكاملة تظل رهينة بسرعة انتقال الانخفاضات الدولية إلى السوق الوطنية، معتبرا أن “الرهان اليوم لا يتعلق فقط بمستوى الأسعار بل بمدى نجاعة المنافسة داخل السوق وقدرتها على ضمان انعكاس التطورات الدولية بشكل عادل على المستهلك النهائي”.
من جهة ثانية، فإن التخفيضات المعلنة هذه المرة أعادت أيضا إلى الواجهة الجدل القديم حول مدى انعكاس الانخفاضات الدولية على السوق الوطنية فبينما تؤكد شركات التوزيع أن الأسعار الحالية تعكس كلفة التزود الفعلية والضرائب ومصاريف النقل والتخزين، ترى أصوات نقابية وحقوقية أن هوامش الربح ما تزال مرتفعة مقارنة بما تسمح به المعطيات الدولية.
وفي هذا السياق، اعتبر الحسين اليماني، الكاتب العام للنقابة الوطنية للبترول والغاز ورئيس الجبهة الوطنية لإنقاذ المصفاة المغربية للبترول أن الأسعار التي ينبغي تطبيقها خلال النصف الثاني من شهر يونيو لا يجب أن تتجاوز 12,7 درهما للتر الغازوال و12,90 درهما للتر البنزين، استنادا إلى متوسط الأسعار الدولية المسجلة خلال النصف الأول من الشهر الجاري.
ويذهب اليماني إلى أبعد من ذلك عندما يتحدث عن “أرباح فاحشة” راكمها القطاع، مقدرا حجمها بأكثر من 90 مليار درهم إلى حدود نهاية سنة 2025، وهي الأرقام التي ظلت موضوع سجال متواصل بين شركات التوزيع والهيئات النقابية والحقوقية منذ سنوات.
ويعيد هذا النقاش التذكير بالتحولات العميقة التي عرفها القطاع منذ نهاية سنة 2015، عندما تم تحرير أسعار المحروقات بشكل كامل وإنهاء العمل بنظام المقاصة بالنسبة للوقود ففي ذلك الوقت كانت الحكومة تراهن على تعزيز المنافسة بين الفاعلين الاقتصاديين بما ينعكس إيجابا على الأسعار، فضلا عن تقليص العبء المالي الذي كانت تتحمله ميزانية الدولة لدعم المحروقات.
لكن بعد مرور أكثر من عشر سنوات على هذا القرار، ما تزال نتائج التجربة محل نقاش واسع، فبينما تؤكد الحكومة والفاعلون الاقتصاديون أن التحرير مكن من حماية المالية العمومية من صدمات نفطية كبرى، خاصة خلال أزمة ما بعد جائحة كورونا والحرب في أوكرانيا، يعتبر منتقدو هذا النموذج أن المستهلك المغربي لم يجن المكاسب نفسها التي حققتها الشركات وأن آليات المنافسة لم تنجح بالقدر الكافي في ضمان انتقال الانخفاضات الدولية إلى الأسعار المحلية.
وتبرز أهمية هذا الجدل أكثر إذا ما استحضرنا المعطيات التي سبق أن كشف عنها مجلس المنافسة خلال التحقيق الذي أجراه في سوق المحروقات والذي أفضى سنة 2023 إلى اتفاقات صلح مع عدد من شركات التوزيع مقابل أداء مساهمات مالية مهمة لفائدة الخزينة العامة على خلفية ممارسات اعتبرها المجلس منافية لقواعد المنافسة الحرة.
وعلى المستوى الاقتصادي الكلي، فإن استمرار تراجع أسعار النفط يحمل انعكاسات إيجابية محتملة على عدد من المؤشرات الاستراتيجية للمملكة، فكل انخفاض مستدام في أسعار الطاقة يساهم في تقليص الضغط على الميزان التجاري ويخفف الحاجة إلى العملة الصعبة المخصصة لاستيراد المحروقات كما يساعد على احتواء التضخم وتحسين القدرة الشرائية للأسر.
كما يمكن أن ينعكس إيجابا على تنافسية المقاولات المغربية، خاصة في القطاعات الصناعية والتصديرية التي تأثرت خلال السنوات الأخيرة بارتفاع تكاليف الطاقة والنقل وتشير تقديرات مؤسسات دولية، إلا أن تراجع أسعار النفط بمعدل 10 دولارات للبرميل يمكن أن يحقق وفورات مهمة للدول المستوردة للطاقة سواء على مستوى المالية العمومية أو كلفة الإنتاج.
وفي المقابل، فإن عددا من الخبراء يحذرون من المبالغة في التعويل على الانخفاض الحالي، باعتبار أن أسواق النفط ما تزال رهينة التطورات الجيوسياسية الدولية فالاتفاق الأمريكي الإيراني خفف المخاطر الآنية لكنه لم ينه الملفات العالقة المرتبطة بالبرنامج النووي الإيراني والعقوبات الاقتصادية والأوضاع الأمنية في المنطقة، وهي عوامل قادرة على إعادة التقلبات إلى الأسواق في أي وقت.
المصدر: الصحيفة





