ترامب يسخر من موريتانيا: حين يكتشف الرئيس السابق عالما “جديدا” في غرب إفريقيا

 

 

 

 

ذ.عبد القادر الفرساوي

 

 

في عرض كوميدي جديد، ظهر الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب مجددا، لكن هذه المرة عبر منصة تغريدات (X)، حيث علق بأسلوب ساخر ومستهزئ على حادثة شاب موريتاني لجهالته أطلق النار على مواطن أمريكي من أصل يهودي في شوارع شيكاغو. ترامب، وكأنه يستعرض مهاراته في “استكشاف البلدان”، تساءل بغطرسة تامة: “هل سمعتم من قبل عن دولة اسمها موريتانيا؟”.

قد لا يدرك السيد ترامب أن موريتانيا، التي يختزلها في مجرد اسم غريب من شمال غرب إفريقيا، ليست مجرد “دولة صغيرة”، بل هي حاضرة تاريخية وثقافية تمتد جذورها إلى أعماق الصحراء، حيث احتضنت قوافل العلماء والتجار، ونسجت روابط متينة مع المغرب في تواصل حضاري لا تقدر عليه خريطة جغرافية ولا تحده تصريحات عابرة.

لعله من المدهش أن نرى ترامب، الذي يفاخر بحدود بلاده وسياساته، يسخر من بلد كبلاد شنقيط، التي تعني للعارفين أكثر من مجرد خط على خريطة. فهذه البلاد، التي يبدو أن ترامب يظن أنها نشأت بين ليلة وضحاها، تحتضن إرثا من الحضارة والدين، وتاريخا غنيا بالعلماء الذين تنقلوا بين المغرب وموريتانيا، ملهمين الأجيال في الفكر والدين والأدب. فموريتانيا ليست مجرد جواز سفر ولا جنسية، بل جزء من نسيج حضاري عريق، شكل مع المغرب وحدة ثقافية عميقة تلاحمت مع مرور الزمن.

لربما من المفيد تذكير الرئيس السابق بأن الشمال الإفريقي، الذي تشمل أطرافه شنقيط والمغرب، لطالما كان ملتقى ثقافات وحضارات متفاعلة بلا حدود سياسية. كانت “شنقيط” و”فاس” محطات علمية كبرى،يمر منها طلاب المعرفة والعلماء، في رحلة لا تعترف بالحدود التي يفخر البعض ببنائها اليوم. فإذا كانت شنقيط قد بدأت يوما كجزء من وحدة تاريخية، فإنها اليوم دولة مستقلة ذات سيادة، ومع ذلك تحتفظ بروابطها الثقافية والاجتماعية المتينة مع المغرب.

في حديثه الساخر، ينسب ترامب أسباب الحادثة إلى “الحدود المفتوحة”، ملمحا إلى سياسات الهجرة، وكأن الشاب الموريتاني الذي وصل إلى أمريكا ليس إلا جزءا من “خطر” محدق بالبلاد. لعل الرئيس السابق يتجاهل في هذه النقطة أن الهجرة لم تكن يوما عارا أو عيبا، بل هي حركة إنسانية قديمة بقدم الحضارات. وموريتانيا، مثل المغرب، كانت ملاذا ثقافيا يعبره كل من يرغب في العلم أو التجارة، فالحضارات لا تزدهر بانعزالها، بل باحتكاكها وتبادلها مع الآخر.

لو أن الرئيس السابق خصص بعضا من وقته ليقرأ قليلا عن تاريخ غرب إفريقيا، لعلم أن موريتانيا ليست مجرد “دولة غير معروفة”، بل هي كنز من الحضارة والمعرفة.

في شنقيط، التي تجمع بين الصحراء والمحيط، بُنيت مدن العلماء التي درس فيها طلاب من شتى أنحاء العالم الإسلامي. وارتبطت المغرب وشنقيط عبر تاريخ طويل، فكري وروحي، يعكس ملامح من الحضارة المغاربية الأصيلة.

ما لا يعرفه ترامب أيضا أن الموريتانيين المقيمين في الولايات المتحدة، مثلهم مثل كثير من المهاجرين، قدموا عطاءات غنية وساهموا في المجتمع الأمريكي بطرق شتى. لقد جاؤوا إلى أمريكا بحثا عن الفرص والأمان، وشاركوا بجهودهم في تنمية مختلف القطاعات. ربما تختلف قصصهم عن قصة هذا الشاب الذي انحرف عن الطريق، لكن هذا لا يلغي حقيقة أن الهجرة كانت دائما مصدرا للتنوع الثقافي والإثراء الإنساني، تماما كما هو الحال في تاريخ أمريكا نفسها.

ليتذكر السيد ترامب أن العالم لا يقتصر على الخرائط المرسومة فقط، وأن الثقافة والحضارة أعمق من حدود السياسة. موريتانيا اليوم دولة مستقلة، لها سيادتها وشخصيتها التي تحترمها الشعوب، وترتبط بالمغرب بروابط تاريخية وحضارية لا تضعفها التصريحات السطحية. في حين ينسى البعض أن الصحراء الكبرى كانت حلقة وصل حضارية، سيبقى المغاربة والموريتانيون يرون فيها رمزا لتواصل الشعوب وتفاعلها الحضاري.

الدولة التي اختار ترامب الاستهزاء بها ليست مجرد “اسم غريب” من غرب إفريقيا؛ بل هي بوابة استراتيجية لأي قوة كبرى تطمح لتعزيز حضورها في إفريقيا. فموريتانيا بحكم موقعها على المحيط الأطلسي، وارتباطها بجوارها المغاربي وإفريقيا جنوب الصحراء، تشكل نقطة عبور أساسية نحو أسواق إفريقيا، وأي سياسة أمريكية جادة لتعزيز التعاون أو النفوذ في القارة تجد نفسها مضطرة للتفكير في هذه الدولة التي تجمع بين التراث والموقع الاستراتيجي. وما يبدو لترامب مجرد حدود على خريطة، قد يكون يوما مفتاحا لباب جديد نحو إفريقيا.

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...