ذ.عبد القادر الفرساوي
في قاعة المحكمة الكبرى، التي ازدحمت بأصوات خافتة وعيون تحدق في اللاشيء، وقف القاضي على منصته بوجه لا يحمل سوى الغطرسة والتهكم. كان القاضي صهيونيا، بزيّه الأسود وعينين تلمعان ببرودة متعجرفة، نظراته كانت تحكي حكاية هيمنة لا تتزعزع، وابتسامته تحمل استهزاء صريحا بالمشهد الذي أمامه.
رفع المطرقة ببطء شديد، وكأنه يستمتع بتأجيل الحكم، وقال بصوتٍ مستفز: ” هنا شعب الله المختار ، و لا بد له أن يحكم العالم ويستعبد من فيه. أما أنت، يا غزة، لست إلا صدى لصراخ تعتقدين أنه يُسمع، لكننا هنا نحدد ما يُسمع وما يُنسى.”
في تلك اللحظة، ارتجفت القاعة وتبادل ممثلو الدول الحاضرة نظرات القلق والخوف. كانوا يحاولون أن يُخفوا اضطرابهم خلف أقنعة القوة، لكن صدى كلمات القاضي اخترق القلوب. ممثلو الأمة العربية جلسوا في صمتٍ مرير، يتابعون الموقف بعيون تلمع بالقلق والتردد، وكأن الكلمات التي تُلقى في القاعة قد شلتهم عن النطق أو الفعل.
مرّت نظرة غزة على وجوه الحاضرين؛ أولئك الذين ادّعوا أنهم يمثلون شرف الأمة وأملها. كانوا هناك، يشهدون بصمتهم المذعور، وكأن كلمات القاضي قد علّقتهم في حالة من العجز. لكن غزة لم تهتز، رفعت رأسها بشجاعة تُعانق اليأس، وتقدمت بخطوات واثقة نحو القاضي، وقالت بصوت يحمل أوجاع أجيال: “أيها القاضي، قد تظن أن المطرقة في يدك هي الحكم الأخير، وأن العالم بأسره تحت رحمة قراراتك. لكن ما لا تدركه أن الظلم لن يدوم، وأن النار التي تشعلها في قلبي اليوم ستلتهم غدا أسيادكم قبل خدامكم.”
ضحك القاضي ضحكة طويلة، صوتها صدح في القاعة كصدى مرعب، وقال بنبرة متسلطة: “وهل تعتقدين أن الصمت من حولك هو شيء سوى رضا؟ انظري إلى جيرانك، انظري إلى كل المطبعين، انظري إلى من يزعمون أنهم يدافعون عنك. هل ترينهم يتحركون؟ إنهم يرفعون شعارات خاوية، ويُصفقون لكلمات فارغة. إنهم يتفرجون على نهايتك ويشاهدون من بعيد دون أدنى محاولة للإنقاذ.”
مدّ القاضي يده وأشار إلى صور تُظهر دولاً غارقة في الفوضى والدمار: سوريا التي مزقتها الحرب و فرقتها الى دويلات، وليبيا التي انقسمت إلى شظايا و ما زالت تتألم، والسودان الذي تقسم و ما زالت تشتعل في أنحائه نيران البارود ليفتت أكثر. أراد بتلك الإشارات أن يرسل رسالة تهديد لكل من يجلس في القاعة: “هذا مصيركم إن فكرتم في المقاومة.”
أدارت غزة وجهها مجددا نحو الحضور وقالت، بنبرة تتحدى السطوة: “أتعلمون، أيها الجالسون في صمتكم، أن صمتكم هذا لن يحميكم؟ أن ما يجري في هذه القاعة ليس إلا بداية لما ستشعرون به يوم يطأ الخراب أرضكم، يوم تتحولون من متفرجين إلى ضحايا؟ أنتم تزرعون الريح، وستحصدون العاصفة.”
رغم الصمت الذي خيم على القاعة، كانت هناك أنفاس ثقيلة تُسمع وكأنها أصوات الندم والخوف. نظرات الحاضرين بدأت تتبدل بين الهلع والخجل، لكن القاضي بتهكمه استمر يقول: “واعلموا جميعا، أن كل من يجرؤ على مقاومة حكمنا، سيُلقى به في هاوية لن يرى فيها ضوءا أبدا. نحن من كتبنا التاريخ وسنكتبه من جديد، ولن تكون هناك دولة إلا وستطأها أقدامنا.”
سرت كلمات غزة كاللهب في عروق القاعة، وارتفعت الهمسات بين المقاعد، تلك الهمسات التي تشي بخوف من يوم سيأتي لا محالة، يوم يدرك الجميع فيه أن الظلم، مهما بدا قويا، لا ينتهي إلا بمقابله من الألم والمعاناة.
في قاعة المحكمة الكبرى، تعالت الأصوات حتى اختنقت الأنفاس، فممثلو الدول العربية يجلسون في مقاعدهم، تتململ أرواحهم تحت ضغط أسئلة وجودية. هل يمكن أن يأتي اليوم الذي يُطلب منهم فيه الاختيار بين الصمت والفعل؟ هل سيكونون مستعدين لدفع الثمن؟ كانت النظرات تتبادل بين الأعين، كأنها تخفي خوفا عميقا من المجهول.
أمامهم، كانت غزة تمثل رمزا للصمود، تروي حكايات مؤلمة من الشجاعة والكرامة. ولكن، في ذلك اللحظة، كان القاضي ينظر إليهم بتحدٍ مستفز، ويقول: “اختاروا، أيها الحكام، اختاروا ما بين الحفاظ على كراسيكم أو الوقوف مع الحق. هل أنتم مستعدون لدفع الثمن؟”
لكن الإجابة كانت واضحة؛ كانت ألسنتهم مربوطة، وكانوا يفضلون البقاء على كراسيهم الآمنة، يتجنبون مصير من سبقهم، مثل القذافي، بن علي، حسني مبارك، وعلي صالح. فهم شهدوا كيف أن الثمن باهظ، وكيف أن التغيير قد يحرمهم من مراكزهم ونفوذهم. ففضلوا الصمت، واستمروا في تعميق الخندق بينهم وبين الشعوب.
غزة، التي عانت تحت وطأة القهر والظلم، تراقب تلك المواقف بقلق. كانت تعلم أن الأبطال لا يظهرون إلا عندما يُختبرون. ورغم ذلك، بدا أن الصمت كان خيارهم المفضل، حتى لو كانت عواقبه تحمل مشهدا مؤلما من القتل والدمار الذي يعصف بهم جميعا.





