إزالة “إسرائيل” شعار بين الغاية والوسيلة

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

غسان الاستانبولي ـ كاتب وباحث سياسي

 

 

 

“أنقذوا إسرائيل”، هذا هو نص البرقية التي أرسلتها رئيسة الوزراء الإسرائيلية السابقة غولدا مائير للإدارة الأميركية، وذلك منذ اليوم الأول لـحـرب أكتوبر/تشرين الأول عام 1973، وإرسال هذه البرقية شيء طبيعي لرئيسة وزراء أحست بخـطـر يتهدّد هذا الكيان الذي تسميه دولة، ولكن غير الطبيعي هو أن يمضي خمسون عاماً وغالبية قادة الدول العربية والاقليمية عاجزة عن ترجمة ما تعنيه هذه البرقية، وقد يكون استطاع البعض ترجمتها ولكن تعامل معها على مبدأ أن لا حول ولا قوّة.

نفس الحالة تكرّرت بعد عملية “طوفان الأقصى” وما تلاها من عمليات إسناد، ولكن بفارقين مهمّين، أولهما أن الإدارة الأميركية ونتيجة خـطـورة الموقف الذي شكّلته الجغرافيا، لم تنتظر وصول برقية مماثلة، والثاني هو حجم ونوعية الدعم العسـكـري الذي قدمته للكيان، إذ أنها ومنذ الساعات الأولى قامت بإرسال أضخم مُدمّراتها البحرية، بما فيها الغوّاصة الـنـوويـة أوهايو إلى البحر الأبيض المتوسط، كما قامت ببناء جسرين جوي وبحري بينها وبين “إسرائيل”، وذلك لإمداد الأخيرة وبدون انقطاع، بكلّ ما تحتاجه من ســلاح وعتاد وذخـائـر.

الآن، وبعد أن ترجمت الوقائع شيفرة برقية حــرب أكتوبر/ تشرين الأول، وشيفرة برقية عملية “طوفان الأقصى” التي وصلت بدون أن يرسلها الكيان، وبعد أن أصبح وضع “إسرائيل” واضحاً للجميع بأنها بالنسبة للغرب ليست مجرد كيان فحسب، بل هي قاعدة صـهيـونـيـة مُتقدمة، تمّ زرعها في منطقة الشرق الأوسط لتنمو وتتوسع وتسيطر على كامل المنطقة، وبطبيعة الحال فهذا ما أفصح عنه علناً كلّ القادة الأميركيين الذين هرعوا إليها منذ الأيام الأولى للـحـرب، بمن فيهم الرئيس الأميركي، وكلهم اعترفوا بأنهم موجودون هنا باعتبارهم صـهـاينة، لا بصفتهم قادة ومسؤولين حضروا لكي يمثلوا دولتهم.

أما المشروع المُستقبلي لهذه القاعدة، فقد أظهره رئيس الوزراء الـصـهيـونـي بنيامين نتنياهو عندما رفع، وعلى منبر الأمم المتحدة، خارطة ما يسموه “إسرائيل الكبرى”، وبالمناسبة، فالصورة غير مُكتملة، لأن مُخطّط التوسع أكبر من ذلك بكثير، وقد يكون عدم إظهاره كاملاً ما كان إلّا لمراعاة مشاريع التطبيع.

كما أصبح واضحاً أن وجود هذا الكيان ما هو إلّا نتيجة لأساس، وهذا الأساس هو ثقافة استـعمـاريـة غربية، ولذلك فإن المواجهة المُثلى تكون بالتعامل مع أساس المشكلة وجذورها، لا مع نتيجتها والفروع، فعندما تضعف الجذور يصبح هذا الكيان مُجرّد أغصان ضعيفة يسهل بترها، لذلك، وفي ظلّ الفارق الكبير بالقوّة الــعسـكـريـة بين الولايات المتحدة ومن معها من جهة، وبين من يعملون على إزالة هذه القاعدة الـصـهـيونيـة من جهة أخرى، فعلى الأطراف التي تعمل على إزالتها أن تغيّر أسلوب عملها بشكل كلّي، في المنطقة وفي خارجها، وأن يكون شعار إزالة الكيان هو شعار موضوع لكي يتحقّق، وليس شعار موضوعاً لغايات أخرى، منها بناء إمبراطوريات قيد الولادة، أو إعادة إحياء أخرى قضت منذ قرون، والأهم أن ترفع هذه الأطراف قواعد الاشتباك لتكون مع الجذور، وأن تغيّر قواعد الاشتباك لتكون قواعداً اقتصادية وتجارية وأمنية وثقافية وإعلامية، وعندما ننجح سنرى أن هذا الكيان زائل حتى بلا اشتباك عـسـكـري، وهذا لا يلغي العمل على تعزيز القوّة الـعـسكـريـة لأن ما تم تأكيده خلال السنة الأخيرة، هو أن هذا الـعـدو الاسـتعـمـاري لا تردعه إلّا القوّة، وخاصّة القوّة الـعـسكـريـة، ولكي تنجح قوى مُقاومة الاستـعـمـار ببقية القواعد، عليها الإرتكاز على القاعدة الـعـسكـريـة لحماية البقية، وقد تكون تجربة الغرب الـعـسكـريـة من خلال هذه الـحـرب أصبحت تحمل الكثير من عوامل الردع، فهذه القاعدة الـصـهيـونـيـة التي كانت قبل نصف قرن من الزمن تستطيع إلحاق الهزيمة بعدّة جـيـوش عربية خلال ستة أيام، ستصبح بعد نهاية هذه الـحـرب تحسب لأيّ عدوان ألف حساب.

ولمن يبني آمالاً على وجود قطب عالمي ثانٍ نقول، نعم سيكون وجود قطب آخر هو عامل مُهمّ في كثير من القضايا، ما عدا القضايا التي تتعلق بإسرائيل، لأن الوقائع والمعطيات تقول أن مصالح من سيتزعمون هذا القطب، وأقصد روسيا والصين، ستكون بعلاقتهم القويّة مع رأس المال الـيـهـودي، ومع القوى الـصـهـيونـية المُهيمنة على العالم، ومع مئات ملايين الـيـهود الذين يتوزعون في مختلف أنحاء العالم، ومع مئات الآلاف ممن يحملون جنسيات دولهم ولكن يعيشون في “إسرائيل”.

أخيراً، ومن خلال ما تعرّضت له المنطقة منذ وجود هذا الكيان وحتى الآن، ومع تعاقب وتعدّد قوى المواجهة، ومع انسحاب مُعظم جبهات الصراع، مثل مصر والأردن والسلطة الفلسطينية بشكل علنيّ، وبأثمان بخثة لم تحفظ لحكّام هذه الدول بعض ماء وجوههم حتى أمام شعوبهم، ومثل انسحاب غالبية الدول العربية بشكل غير مُعلن، من خلال كلّ ذلك لن نستغرب انسحابات أخرى، ولا سيّما أن باب هذه الانسحابات مفتوحاً على مصراعيه، وباب الإغراءات أيضاً، لكن وبنفس الوقت، فباب الدخول إلى محور مُقاومة الاستعمار الغربي مفتوح أيضا،ً والإغراءات أكثر بريقاً لأنها أكثر أملاً.

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...