د.رشيد حميمز
أستاذ التعليم العالي
باحث في العلوم الاجتماعية
في معاناة الآخر يكمن ارتقاء روحي: يقظة إلى واقع عميق وحقيقي، متحرر من كل وهم.
“عِظَمُ الْجَزَاءِ مَعَ عِظَمِ الْبَلَاءِ، وَإِنَّ اللَّهَ إِذَا أَحَبَّ قَوْمًا ابْتَلَاهُمْ، فَمَنْ رَضِيَ فَلَهُ الرِّضَا، وَمَنْ سَخِطَ فَلَهُ السُّخْطُ. ” (رواه الترمذي في سنن الترمذي (حديث رقم 2396).
“وَعِزَّتِي وَجَلَالِي، لا أَقْبِضُ عَبْدِي الْمُؤْمِنَ وَأَنَا أَصْرِفُهُ عَنْ شَيْءٍ يُحِبُّهُ إِلَّا جَعَلْتُ ذَلِكَ خَيْرًا لَهُ” حديث قدسي رواه الإمام أحمد في مسند أحمد (حديث رقم 23157)
أما في سعينا وراء الراحة والرفاهية، يتسلل إلينا انحدار داخلي: خمول للروح، وغفلة تغمر النفس في أوهام تغلق الأفق.
إن اللقاء بوجه الآخر المتألم يدعونا إلى مسؤولية لا متناهية ويوقظ فينا وعياً أخلاقياً عميقاً، كما يشير الفيلسوف إيمانويل ليفيناس. حين نغرق في راحتنا ونهرب من مواجهة معاناة الآخر، نفقد فرصة إيقاظ هذا الوعي الذي من شأنه أن يعيد تشكيل نظرتنا إلى العالم.
فهل ينبغي لنا أن نسعى إلى معاناة الآخرين من أجل الوصول إلى هذه اليقظة؟ كلا، ولسبب جوهري: فقد اختيرت بعض الأرواح لتحمل أشد المعاناة، لأنها وُهِبت القوة اللازمة لتحملها وتجاوزها. وقد كُتبت لها هذه الابتلاءات وفق حكمة ربانية تتجاوز إدراكنا، وليس من الضروري أن نكون نحن ممن أوكِلت إليهم مثل هذه المحن. بل المطلوب أن نحمد و نشكر الله تعالى ونتوسل إلى الحقيقة المطلقة كي نحافظ على يقظة الروح بنفس العمق الذي تكشفه لنا معاناة الآخرين.
فكيف يمكن للذِكر – أي تكرار صيغة التوحيد – أن يوقظ هذا الوعي الأخلاقي والمسؤولية اللامحدودة تجاه الآخر وتجاه أنفسنا، كما يشير ليفيناس؟
إن تكرار صيغة التوحيد يبدد أوهام الحياة ويُذكرنا بأن الله حاضر في كل المخلوقات، وخاصة في أولئك الذين يعانون. وقد خاطب سيدي مهدجي، أحد أولياء المغرب في القرن التاسع عشر، مريديه الذين أبدوا لا مبالاة تجاه معاناة الناس قائلاً، وفقاً لرواية سيدي حمزة:
«إن لم تروا الله في الفقير والمتألم والمريض، فأين تنتظرون أن تجدوه؟ هل تنتظرون أن يأتيكم على حصان أبيض ليقول: “أنا ربكم”؟»
هكذا نستطيع أن ندرك أن فهم معاناة الآخر ليس مجرد تعاطف عابر، بل هو قوة تحويلية جوهرية لمسيرتنا الروحية، تفتح أمامنا أبواب الوعي الحقيقي والرحمة العميقة.
تبدأ هذه التحوّلات الروحية من توسيع وعينا ليتجاوز حدود فرديتنا، عبر إدراك ترابطنا العميق مع جميع الكائنات. وتتجلى أيضاً من خلال جعل روحانيتنا قوة فاعلة تُلهِم وتُحدث تأثيراً إيجابياً في العالم من حولنا. وأخيراً، تمنح هذه التحوّلات معنى أعمق لممارساتنا الروحية، مثل الذكر، بربطها مباشرة بمسؤوليتنا تجاه الآخرين.
أتذكر قولاً لسيدي حمزة :
«عندما يجلس المريد للذكر، لا يذكر لنفسه فقط؛ بل ينبغي أن يكون في مقام الرحمة والدعاء لجميع إخوته وأخواته.»
إن ذكراً يتمحور حول الذات فقط، ولا يجعل منا شموعاً تضيء من حولها، ليس ذكراً حقيقياً.





