ذ.عبد القادر الفرساوي
في عالم السياسة، غالبا ما يُشاع عن وجود فساد وسوء إدارة، لكن ما حدث في غينيا الاستوائية تجاوز كل التوقعات، ليضاف إلى قائمة الفضائح التي تدمغ تاريخ الأمم بسواد من العار والدهشة. فضيحة من العيار الثقيل تهز البلد الإفريقي، إذ تم الكشف عن أن مسؤولا حكوميا رفيع المستوى قد “أضاف لمهامه الرسمية” مهمة أخرى، لا علاقة لها بالإدارة أو الاقتصاد، بل كانت تتعلق بعلاقة غير مألوفة مع مئات النساء.
الفضيحة انطلقت عندما ألقت السلطات القبض على بالتاسار إنجونجا، المدير العام لوكالة التحقيقات المالية، في إطار تحقيقات مكافحة الفساد. ولكن، وكما هو الحال مع كل الفضائح الكبرى، كانت المفاجأة أكبر من مجرد اتهامات مالية. على جهازه الحاسوبي، اكتشف المحققون ما يقارب 400 شريط جنسي، ترصد بالطاصار في مواقف حميمية مع نساء من مختلف الطبقات الاجتماعية، من بينهن زوجات مسؤولين حكوميين رفيعي المستوى. يبدو أن الرجل، في مسعاه لتحسين أوضاعه الشخصية، لم يكتف بمراقبة الأموال، بل قرر “مراقبة” ملذات الحياة الأخرى أيضا.
ولكن هذا ليس كل شيء. فقد قادت التحقيقات إلى اكتشافات فنية تُشيد بتنوع مواقع التصوير: من غرف الفنادق الفاخرة إلى مكاتب وزارة المالية نفسها. يبدو أن المكاتب الحكومية لم تكن، حسب المعتاد، مكانا لتوقيع الصفقات وإدارة الأمور المالية، بل كانت ساحة جديدة لممارسة “الدبلوماسية الجنسية” بين بعض المسؤولين وزوجاتهم، أو ربما كان الفساد مستمرا في كل زاوية، من ورقة الشيكات إلى السرير.
في البداية، كانت التقارير تشير إلى أن الشريط الجنسي كان “خيارا حرا” من النساء المتورطات. لكن المسألة تجاوزت الحديث عن حرية الإرادة إلى تحذيرات صحية من نوع آخر: المخاوف بشأن الأمراض المنقولة جنسيا قد تكون أحد أضرار هذه الممارسات. فنظام الصحة العامة في غينيا الاستوائية يعاني بالفعل، وكان من المفترض أن تكون هذه القصة تحذيرا صارما حول كيفية تأثير هذه الفوضى على المجتمع.
وكعادة الأنظمة الحاكمة التي تتابع الفضائح بأسلوبها الخاص، علق نائب رئيس غينيا الاستوائية تيودورو نغويما، وقال إن “الوقت قد حان لوقف هذه الممارسات المزرية”، ليعلن عن حملة “صفر تسامح” مع المسؤولين الذين يمارسون هذه الأفعال في أماكن العمل. وقال إن “الاحترام والأخلاق هما أساس إدارة الدولة”، على الرغم من أن فكرة الأخلاق في دولة تعتبر الفساد فيها جزءا من هيكلها الاقتصادي تثير نوعا من السخرية. وكأن الوزير الذي يرفض العلاقات في المكاتب لا يراها إلا “مخالفة قانونية” رغم أنها سلوك غير أخلاقي محض.
إن أكبر ما يثير الضحك في هذه الفضيحة هو سرعة الحكومة في محاربة الفساد الجنسي، بينما تجاهلها الطويل لأدوات الفساد الأخرى التي تُمارس علنا هو ما يجعل هذه التصريحات تبدو كأنها حكايات خيالية. فالحديث عن الأخلاق في زمن يُعتبر فيه جمع الثروات بطرق غير شرعية أمرا مألوفا، أو توجيه أصابع الاتهام إلى المسؤولين الذين يستعرضون سلوكهم الخاص بينما يُغرقون الوطن في الفقر، هو أشبه بلعب دور رجل الإطفاء في مكان يشتعل فيه النيران من كل الاتجاهات.
أمام هذه الأحداث، يبقى السؤال الأهم: هل ستستطيع غينيا الاستوائية التخلص من هذا البؤس الأخلاقي والمالي؟ أم أن الفساد، في النهاية، هو مرض مستوطن عميق في أرجاء الحكومة، لا علاج له سوى المزيد من “الشرائط” التي ستنقلها الأجيال القادمة بفخر، باعتبارها جزءا من تراث البلاد؟
ربما يكون أفضل تعليق على هذه الفضيحة هو أن الفساد قد تطور ليصبح جزءا من “ثقافة الحياة اليومية” في كل البلدان.





