“الحوريات”: جائزة غونكور ودوي الجراح الجزائرية

 

 

 

 

ذ.عبد الله مشنون

 

 

 

في مساء مشبع بعبق الأدب والحلم، أُعلن عن فوز الكاتب الفرنسي من أصل جزائري، كمال داود، بجائزة غونكور الأدبية الرفيعة عن روايته “الحوريات”، التي جاءت لتخاطب أعماق الذاكرة الجزائرية وتحفر في الوجدان أصداء “العشرية السوداء” (1992-2002)، تلك الفترة التي تغص بالدماء والآلام، وتنطوي على جراح عميقة ما زالت مفتوحة. جاء هذا التتويج ليعزز مكانة داود كأحد أبرز أصوات الأدب الفرنكوفوني، لكنه، في الوقت نفسه، سلط الضوء على الازدواجية التي يعيشها هذا الكاتب بين هويته الجزائرية وجنسيته الفرنسية، وبين قدرته على تحويل الجراح إلى نصوص فنية مشرقة ومتوهجة بالحزن والأمل.

“الحوريات”: شهادة على العذاب وصوت الأمل

“الحوريات”، تلك الرواية التي عكست عذابات الجزائر في أعماق فترات الحرب الأهلية، هي عمل يُقدّر له أن يدخل ضمن الأدب الذي لا يسعى فقط إلى توثيق الأحداث، بل إلى تقديم سرد يتيح للذاكرة الشعبية أن تجد لها منفذا عبر الأدب، بعيدا عن محاولات التغطية والإنكار. تتبع الرواية شخصية “أوب”، الشابة التي فقدت قدرتها على الكلام بعدما تعرضت لعملية ذبح على يد أحد الإسلاميين في نهاية عام 1999، في محاولة رمزية لجعل هذه الشخصية تمثل “صوتًا مسلوبًا”، يمثل النساء اللواتي وقع عليهن العبء الأكبر من تلك المرحلة المظلمة.

من خلال هذه الشخصية، يخلق داود سردا مؤلما، ولكنه مليء بالمعاني، حيث يتنقل بين مدينة وهران، التي عايش فيها الصحافي كمال داود الأهوال اليومية لتلك الحقبة، وبين الصحراء الجزائرية، التي تصبح مسرحا لبداية رحلة “أوب” لاستعادة صوتها، رغم أنها فقدت القدرة على النطق.

الجائزة وحظر الرواية

ومع إعلان فوز “الحوريات” بجائزة غونكور، ثارت موجة من الجدل. فبينما يحتفل الكاتب ويعبر عن سعادته بالجائزة، كانت السلطات الجزائرية قد اتخذت قرارًا بحظر الكتاب، بل ومنع دار النشر الفرنسية “غاليمار” من المشاركة في صالون الكتاب الجزائري بسبب تلك الرواية. تكمن المشكلة في أن “الحوريات” تتناول أحداثًا تعتبرها السلطات الجزائرية قضية حساسة، حيث تعرض الرواية بطريقة غير مباشرة جرائم الحرب، وجراح الذاكرة الجمعية التي لا تزال تهدد الوعي الجماعي للمجتمع الجزائري.

الواقع أن داود، الذي كان قد اختار الهجرة إلى فرنسا في أعقاب موجة من الانتقادات الحادة لكتاباته عن الجزائر، وجد نفسه عائدًا إلى نقطة الصفر، حيث طُرحت أسئلة ثقافية وهوياتية عميقة: هل يجب على الأدب أن يتنصل من الحقيقة المؤلمة إذا كانت هذه الحقيقة تمس جراحات الأمة؟ أم أن الأدب يجب أن يكون أداة لفتح هذه الجروح لتهويد الزمن وجعل المصير مشتركا؟

داود بين الهويات والتحديات الأدبية

لم يكن فوز داود بجائزة غونكور مجرد تتويج لإبداعه الأدبي فحسب، بل كان أيضًا انعكاسًا للرحلة المعقدة التي خاضها في مجال الكتابة، فهو لم يتردد في استكشاف الأسئلة العميقة المتعلقة بالهوية الجزائرية وحرب الجزائر الأهلية، بينما ظل حريصًا على أن يكتب بلغة عالمية، يمكنها أن تواكب الأحداث دون أن تبتعد عن الواقع.

وفي حديثه عن “متلازمة أبولينير”، حيث قال إنه يشعر بأنه فرنسي أكثر من الفرنسيين، أظهر داود تجذره العميق في الثقافة الفرنسية، بينما ظل يحمل في قلبه الجزائر بكل تضاريسها وجراحها. هذه الازدواجية، التي يصور بها داود ذاته، جعلت منه كاتبًا ذا صوت مزدوج: جزائري يبكي وطنه وفرنسي يستظل بحريات الأدب.

“الحوريات” خارج الجزائر: حرب الكلمات

من الغريب أن يُحظر كتاب في بلد يعاني أهله من غربة الذاكرة، بل ومن القسوة التاريخية التي تعيشها حتى اليوم. ومع ذلك، يعترف كمال داود أن “الحوريات” تجد طريقها إلى القراء الجزائريين عبر قنوات غير قانونية، وهو ما يعكس حجم القمع الثقافي والسياسي الذي يعاني منه الكاتب في وطنه.

في الجزائر، حيث لا تزال الذكريات الثقيلة للحرب الأهلية تعيش في الخفاء، يأتي فوز داود بجائزة غونكور ليكشف عن جرح عميق: هل ينبغي أن تظل ماضيا مدفونا؟ أم أنه حان الوقت ليصارح الأدب هذا الماضي ويجعله جزءا من هوية الأدب الجزائري، بل من تاريخ الأمة التي لا تزال في حاجة إلى الشجاعة لتصحيح الذاكرة والتكلم عن الماضي؟

إن “الحوريات” ليست مجرد رواية، بل هي مرآة معكوسة لعصر بكامله. ورغم الصعوبات التي يواجهها داود في الجزائر، يبقى هذا الكتاب بمثابة دعوة للفهم والتصالح مع الذات، ومع التاريخ، ومع ما قد ترفضه الذاكرة الجماعية.

إيطاليا تلغراف

 


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...