جهود مالك بدري في توطين علم النفس في عالمنا الإسلامي .الجزء الثاني.

 

 

 

 

الدكتور هشام لعشوش

 

 

 

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله.

اشتهرت مؤلفات البروفيسور مالك بدري، وصارت مرجعا هاما لطلبة علم النفس في مختلف الجامعات والمعاهد، فقد ألف ما يقارب الخمسة وأربعين دراسة علمية منها ستة عشر كتابا في علم النفس باللغتين العربية والإنجليزية، والبداية الفعلية في الكتابة كانت مع دراسة أنجزها سنة ثلاث وستين وتسعمائة وألف بعد سنتين تقريبا من حصوله على رسالة الدكتوراه خصصها لإبراز “أثر الحرمان الثقافي في مُعامل الذكاء بالنسبة للأطفال السودانيين”، ثم مجموعة أبحاث عن نماذج “التوطين من داخل” والتي تضمنت سيرورة وتطور المنهج القياسي وآثار تنزيله في البيئات المحلية، ومن هذه النماذج دراسة بعنوان: “تقنية جديدة في التحصيل النفسي ضد القلق والفوبيا”.
وفي سنة ثمان وسبعين للميلاد، نشر دراسته التي صنفت في وقتها الأكثر جرأة وإثارة للجدل -وما تزال- بعنوان: “عالم النفس المسلم في جحر الضب”. العبارة دالة على حجم التحديات التي يواجهها علماء النفس المسلمون، وهو عنوان مقتبس من الحديث النبوي الذي يحذر فيه صلى الله عليه وسلم من مغبة الاتباع الأعمى لكل ما علا بريقه من الأفكار والتصورات والعادات والتقاليد غير الإسلامية.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “…حتى لو دخلوا جحر ضب تبعتموهم”.
جحر الضب يتمثل في التمسك المطلق لبعض المسلين بما فاضت به المدارس الغربية سواء كان نافعا أو غير نافع، وحتى لو كان بعض رواده قد تخلوا عنه وانتقلوا لغيره، ومن ذلك التحليل النفسي في إشارة إلى منهج فرويد، حيث يتساءل وينتقد مالك في هذا السياق المقاربات الفلسفية والسياق المعرفي الذي يحكم منظري علم النفس في الغرب مثل داروين وفرويد، بل يتعرض حتى لبعض أحوالهم الشخصية التي أسهمت في إقرارهم بنظرات بعينها.
يقول هنا: “ويدهش الإنسان حين يجد من بين المعالجين النفسيين الممارسين المسلمين مثل هؤلاء المعالجين النفسيين المخلصين الذين يؤمنون بالتحليل النفسي.. لقد قرأوا فرويد بدقة وحفظوا بعض أقواله المترجمة ولكنهم مع ذلك لا يشعرون بأي صراع أو ذنب باعتبارهم مسلمين أتقياء، وإنني أشعر في بعض الأحيان وكأن هؤلاء العلماء قد جعلوا حياتهم العاطفية والعقلية في اتجاهين منفصلين.
لقد حظيت كتب المفكر مالك بدري بإقبال كبير من لدن المتخصصين في مجال علم النفس عامة وعلم النفس الإسلامي على وجه الخصوص، ومن هذه الكتب التي تلقفتها أقسام علم النفس بجامعات اليمن والسودان وباكستان، كتاب: “حكمة الإسلام في تحريم الخمر”، والذي تكمن أهميته أنه صار تتويجا وتنزيلا عمليا لنظرياته السيكولوجية، وبه نال جائزة أفضل كتاب في مجال الطب الإسلامي لسنة 2000، والمتأمل فيما نشر من طبعات لهذا الكتاب، يجد أن الطبعة الأولى التي أصدرها المعهد العالمي للفكر الإسلامي والحضارة بماليزيا، جاءت بعنوان “أزمة الإيدز: منظور إسلامي اجتماعي ثقافي”، أما الطبعة الثانية والتي أصدرتها الرابطة الطبية الإسلامية، فقد جاءت سنتين بعد ذلك بعنوان: ” أزمة الإيدز: نتيجة طبيعية للحداثة في الثورة الجنسية”.
هذا التحول ينم عن محاولة لتوجيه أصابع الاتهام بشكل مباشر للحداثة الغربية التي سعت لتحقيق أكبر قدر من اللذة، فيما وصف بثورة جنسية جامحة مسعورة، لا تخضع لقيم، ولا تراعي ضوابط.
فقد حذر من أخطار ما اسماه بالتقليد الأعمى من جانب علماء النفس المسلمين بأسلوب مبسط غير معقد، وقدم بعض الأمثلة المحدودة التي حصل عليها من خلال تجاربه كأستاذ في الجامعة ومعالج نفساني”.

ثم يلخص رؤيته لموقف علماء المسلمين من علم النفس الحديث، فيستشهد بمداخلة معلم سعودي بعد محاضرة للمفكر المصري محمد قطب، يؤكد فيها هذا المعلم أنه من الضروري التخلي التام عن علم النفس الحديث إلى حين وضع تصور إسلامي، لأن فروعه كلها- بحسب قول المعلم- هي الآن نتاج المدنية الحداثية الكافرة، ثم يعقب بعد ذلك ويعبر عن موقفه بكل وضوح، أنه لا عبرة بمن يلقي جواهر قيمة مع الكثير من النفاية.
لقد كان من الجميل في تجربة مالك بدري في أغلب كتاباته أنه انطلق من أرضية أكاديمية صلبة، عابرة للتخصصات، مستوعبة لعلوم النفس والطب، ومن تبحر واسع واطلاع كبير بالتراث الإسلامي، خاصة ما كان مرتبطا بهذا الحقل المعرفي، وبرموز أطباء النفوس الذين استندوا في تحليلاتهم إلى النص القرآني العلوي، وسعوا إلى تنزيل مقتضياته، وبتمكن مما أنتجته المدارس النفسية، من نظريات ورؤى متعددة حد التناقض، ينضاف إلى كل ذلك معرفة بالسياقات الاجتماعية والثقافية والفلسفية التي أسهمت في استفحال مظاهر المرض والاضطراب النفسي، كما لم يُخف نقده لبعض اختيارات المدارس النفسية، بل اعتبر أنها اسهمت وكانت نتيجة طبيعية في استفحال كثير من مظاهر العطب النفسي.
لا يفوتني في هذا المقام أن أذكر بأهمية دراساته وأبحاثه التطبيقية التي جعلت من تصوراته تجربة علمية قابلة للقياس والمحاكاة الاكلينيكية، فقد كانت نتائجه وتوصياته في نهاية المطاف توليفة متسقة المبنى عميقة الفائدة والمعنى، تمتد من المختبرات الطبية وتنطلق لتسائل القيم السائدة في المجتمع، وتستدعي في الوقت نفسه كل حكمة متاحة لا يهم من قالها ولا متى قالها.

وهو ما اصطلح عليه بغاية توطين علم النفس في العالم الإسلامي، بل أضحت كتاباته أكبر من مجرد مواءمة للدرس النفسي في البيئة الإسلامية، إلى كونها ترسم معالم رؤية استراتيجية متكاملة لعلم النفس الإسلامي، تستشرف المستقبل، كيف هو وكيف يكون. يقول في هذا السياق: “وإنني دائما أقول لزملائي المتحمسين لعلم نفس الطفل الحديث، خاصة هؤلاء الذين يعيشون في البلدان الغربية والمجتمعات الإسلامية التي تميل إلى النزعة العصرية، إنكم إذا أردتم أن يعمد أطفالكم – عندما يصبحون أشخاصا بالغين – إلى وضع أحذيتهم على المنضدة أمام وجوهكم ويحدثونكم بالأسلوب الذي ترونه في الأفلام الأمريكية، وإذا أردتم منهم أن يضعوكم أنتم وأمهاتهم في مؤسسة للمسنين عندما تصبحون عبئا كبيرا كثير التذمر، حينئذ كونوا عبيدا لكتب علم نفس الطفل الأمريكي الحديث. ولكن إذا كنتم محافظين على آيات القرآن التي تربط بين عبادة الله والرحمة بالأبوين، قال تعالى: (وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا).
كما ينتقد ما أسماه بالولاء الزائف لعبارات غامضة كالثقافة الجنسية مثلا، ثم يبدأ بتفكيك بنيتها وتهافت صدق ما تعبر عنه من مضامين، وكذا حجية النتائج التي يراد تعميمها على بقية الشعوب.
يقول رحمه الله تعالى: “إنني آمل أن أكون قد أوضحت غايتي وهي أن بعض علماء النفس المسلمين يصرون بشكل قاطع على التطفل في جحور الضب التي تخلى عنها علماء النفس الغربيون جزئيا وكليا”.

رحم الله تعلى البروفسور مالك بدري وأجزل له العطاء والمثوبة، فقد كان مثالا في التزامه الشخصي، ودماثة خلقه، يذكر أحد طلبته واصفا سلوكه وحاله، أنه كان “عميقا في نظراته، مبدعا في تحليلاته، موفقا في تفسيراته للأحلام، دائم السعي في حل مشاكل طلابه، ملازما للمسجد، دائم الذكر، مصطحبا في خلواته وجلواته تلك السبحة البنفسجية المعطرة، التي كانت تفوح منها رائحة الإخلاص”، ظل طول حياته يتساءل ويستشكل، ويقلب وجهات النظر، وحسبُه منزلةً أنه ربّى جيلاً من علماء النفس الذين وهبوا أنفُسهمْ لإتمام ما بدأه، ينفقون من ميراثه العظيم، يسيرون على هديه توضيحا وبيانا ومراجعة، في عالمٍ تصدرت فيه الأمراض النفسية وفاقت كل التوقعات.
لذلك وعلى سبيل الختم؛ أقول أن علم النفس بكل ما حصله من تقدم صناعي، وما أنجزه من تطور علمي، هو في نفس الوقت يعيش حالة من التشظي والعبثية تسير به بسرعة جنونية نحو الهاوية، مدعوما بقوة دفع تقني عابرة لكل حدود العقل، متجردة من كل قيم أخلاقية، ومستندة إلى تصورات مشوهة عن الماهية وعن الوجود وعن طبيعة الإنسان وفطرته، وهذا ما يزيد من حجم التحديات والمسؤوليات التي تقع على عاتق المتخصصين، للتصدي لكل أشكال التلاعب بمباحث هذا العلم وبقواعده، في أفق بلورة نموذج متكامل نابع من عميق مشروعنا الإسلامي العلوي، ومن قيمنا الأسمائية، ينطلق من أصالة تصوراتنا الخالدة، غير معرض ولا مستنكف عن ما استجد في هذا المجال.
والحمد لله رب العالمين.

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...