تأملات في الفيزياء والفلسفة: الخلق المتجدد.

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

د. محمد حسين الصافي، جامعة صنعاء.

 

 

 

فيزيائيًا، الكون منقسم إلى حالتين من الوجود: حالة من اللايقين واللاحتمية والعشوائية على مستوى الجسيمات دون الذرية وعالم الكوانتم، وحالة من التنظيم واليقين والقوانين التي يمكن رصدها فيما يتعلق بالعالم الأكبر وفوق الذرة.

حسب بعض الباحثين وجود الوعي المراقب هو العامل الذي يحول العالم غير اليقيني والعشوائي على مستوى الإلكترونات والجسيمات إلى عالم يقيني ومنضبط بالقوانين في المستويات فوق الذرية. فقد أظهرت التجارب الفيزيائية أن الإلكترون يغير طبيعته من حالة موجية إلى حالة جسيم عند وجود مراقب واعٍ. أما في غياب هذا المراقب، يظل في حالة موجية.
بمعنى آخر، الكون يحتاج إلى مراقب ليظهر إلى الوجود. من منظور المؤمنين، هذا المراقب هو الوجود الإلهي (الرقيب)، بينما يشير بعض الغربيين إليه بـ”الوعي الكوني”، حيث أن الكون كان موجودًا قبل ظهور الإنسان الذي يراقبه.

لكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا: أليس الوعي الإلهي حاضرًا أيضًا على مستوى الكوانتم وما دون الذرة؟ بالطبع هو حاضر. فلماذا إذًا لا يخضع عالم الكوانتم لنفس الحتمية والقوانين التي تنتظم بها أجزاء الكون الأكبر؟ لماذا ينقسم الكون بهذا الشكل بين لاحتمي وحتمي، وبين ظاهر يقيني تحكمه قوانين صارمة وباطن عشوائي غير يقيني؟

هذا السؤال لم يستطع العلماء الإجابة عليه. والإجابة الاحتمالية بالنسبة لي هي أن الكون يقوم على مبدأ الخلق المتجدد أو الخلق المستمر. فالوجود الإلهي هو الذي يخلق الكون الكبير بقوانينه الحتمية في عملية خلق متجددة في كل لحظة،من عالم عشوائي في ما دون الذرة.
بعبارة أخرى، الكون في جوهره يتكون من حالة موجية وجسيمات غير منتظمة، ويخلق الله سبحانه وتعالى منه وجود منظم في كل لحظة. فهو يحول الحالة الموجية للجسيمات في العالم الذري إلى جسيمات مادية تشكل الكون المادي المنظم والجميل.
وهذا يتفق مع قوله تعالى:
“إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا ۚ وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ ۚ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا”.

الملفت أن المتكلمين المسلمين قبل أكثر من ألف عام، من المعتزلة والأشاعرة، تحدثوا عن فكرة الخلق المتجدد. فقد قال النظام المعتزلي: “تتجدد الجواهر والأجسام حالًا بعد حال، وأن الله تعالى يخلق الدنيا وما فيها في كل حال من غير أن يفنيها ويعيدها”

أما جمهور الأشاعرة، فذهبوا إلى أن العرض لا يبقى زمانين، لأن الخالق دائم الفعل لا يتوقف عن الخلق، إذ هو واجب الوجود بذاته. وعليه، فإن الأشياء المخلوقة لا تملك وجودًا ذاتيًا مستمرًا، بل تعتمد في بقائها على الله عز وجل، واجب الوجود.

هكذا يظهر ان الفيزياء الحديثة وكأنها تثبت هذه النظرية. فلا تفسير منطقي لوجود كون مرتب ومنظم وأنيق، يستند في جوهره إلى عالم عشوائي غير منظم ولا قانوني، إلا إذا كان يقوم على مبدأ الخلق المتجدد في كل آن من قبل إله حي قيوم.

> “فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ”.

فالملك هو عالم الشهادة، والملكوت هو عالم الغيب.
وسبحان الله في ملكه وملكوته.

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...