أين هو السوق؟

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

د. محمد حسين الصافي
جامعة صنعاء

 

 

 

كثيرًا ما نسمع الدعوات لربط التعليم الجامعي باحتياجات السوق، وكأن هذا “السوق” كيان واضح المعالم، مستقر، ومزدهر. لكننا نتساءل بصدق: أين هو هذا السوق؟ هل يقصدون تلك المراكز التجارية الحديثة التي يفتتحها البعض هنا وهناك؟ أم أنهم يتحدثون عن سوق حقيقي يحقق الاكتفاء الذاتي، ويوفر فرص عمل، ويعزز الإنتاج الوطني؟

على مدى أكثر من ثلاثين عامًا، خضعت البلاد لسياسات البنك الدولي واتفاقيات الجات، التي لم تجلب إلا الخراب للاقتصاد الوطني. تحولت البلاد إلى مجرد سوق استهلاكي، يستورد كل شيء تقريبًا، بينما يعتمد في تمويل فاتورة الاستيراد على صادرات نفطية وغازية محدودة. فأين هو السوق إذن؟

لقد أدت السياسات الاقتصادية العشوائية إلى تضخم الدين الداخلي ليصل إلى خمسة تريليونات ريال. فأين هو السوق الذي يُطلب منا أن نلبي احتياجاته؟ وصلت الكارثة إلى حد أن فوائد الودائع المصرفية كانت تُدفع من إيرادات الدولة وموارد الشعب، لا من مشاريع استثمارية حقيقية على أرض الواقع، مما تسبب في النهاية في أزمة الودائع المشهورة للأسف.

كيف يُطلب من الجامعات أن تتكيف مع سوق كان مدمرًا وفاشلًا، ثم صار محاصرًا ومحاربًا؟
بلدٌ جعلوه يصدر ثروته السمكية والحيوانية، التي تشكل قوت الشعب الأساسي، من أجل استيراد خمسمائة نوع من الشوكولاتة، وعشرين نوعًا من الشامبو، ومئة نوع من أحمر الشفاه! والقائمة تطول. ولسنا ضد الاستيراد، ولكننا ضد هذه السفاهة في الاستيراد على حساب قوت الشعب والطبقة الوسطى، التي تعاني للحصول على لقمة العيش الضرورية.

إن ربط التعليم الجامعي بالسوق في ظل هذا الواقع لا يعني سوى تدمير الجامعات نفسها، لأن السوق ببساطة مُدمَّر وغير منتج وعالة على الخارج.
ولهذا، علينا أولًا بناء اقتصاد حقيقي ينتج عنه سوق فاعل وقوي، يعزز الأمن الاجتماعي وقوة الدولة، ويحقق الاكتفاء الذاتي، الذي يُعدّ أمرًا استراتيجيًا بالغ الأهمية، بينما تستمر العملية التعليمية بكل قوتها، بلا قيود وهمية باسم السوق غير الموجود.

طبعًا، كل هذا كان نتيجة فقدان البوصلة، وغياب الوعي، والابتعاد عن الإرشاد الإلهي.
الحلول موجودة، وقريبة، لكنها تحتاج إلى من يعيها، إلى من “كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد”.

إيطاليا تلغراف

 

 


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...