د. محمد حسين الصافي
صنعاء. اليمن.
نحن في كونٍ عجيب، متفاعل بطريقة حيوية فوق التصور العادي. ونحتاج أن نفهم قوانين التفاعل الكوني كما يحتاج الكيميائي إلى معرفة قوانين التفاعل في الكيمياء.
أثبتت الدراسات العلمية الحديثة وجود تفاعل بين الفعل الإنساني والطبيعة المحيطة به، وبدرجات متفاوتة من الرؤية، بعضها مباشر وبعضها غير مباشر، مثل دراسات علم النفس البيئي، ونظرية جايا (Gaia)، وعلم الأحياء العصبية للنباتات، وعلم النفس الإيجابي، والتأمل، وحتى فيزياء الكم في موضوع مراقبة الإلكترون.
لكن أحيانًا ليس كل التفاعل مرئيًّا وواضحًا أمامنا، بل هناك تفاعلات غير مرئية، لكن لها آثارها، قد تكون مرئية وقد تكون غير مرئية أيضًا.
في رواية لامرأة مرّت بما يُعرف بتجربة الاقتراب من الموت، عندما شاهدت شريط حياتها، مرت على حادثة شجار بينها وبين زميلة لها دفعتها فارتطم رأسها بقوة، فرأت أن الكون كله اهتز لهذا الحدث. الكون كله تأثر لهذا الفعل.
ورجل آخر أيضًا يروي تجربته في الاقتراب من الموت، شاهد كيف أن الكون كله فرح منه عندما سقى شجرة في طريق سفرٍ له، توقف بالقرب منها.
هذه أبعاد تفاعلية للكون لا نراها الآن، لكن سندرك آثار أعمالنا على الكون وكل المخلوقات بعد الانتقال من الحياة. كل عمل لنا له تأثير وله آثار.
وهناك تفاعل بين الكون وأعمال البشر أخبر عنه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عندما قال:
“لم تظهَرِ الفاحشةُ في قومٍ قطُّ حتى يُعْلِنوا بها، إلا فشا فيهم الطاعونُ والأوجاعُ التي لم تكن مضت في أسلافِهم الذين مضَوا قبلهم، ولا انتقَصوا المكيالَ والميزانَ إلا أُخِذوا بالسنين وشدة المؤنة وجور السلطان عليهم، ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا مُنعوا القَطْر من السماء، ولولا البهائم لم يُمطَروا، ولم ينقضوا عهد الله وعهد رسوله إلا سلّط الله عليهم عدوًّا من غيرهم، فأخذ بعض ما في أيديهم، وما لم يحكم أئمتهم بما أنزل الله وتخيّروا فيما أنزل الله عز وجل، إلا جعل الله بأسهم بينهم”.
فهذا الحديث لا يُظهر فقط التفاعل بين أعمال الناس وبعضهم، ولكن أيضًا التفاعل الكوني مع سلوك البشر.
كذلك في الحديث الصحيح: “إن الفاجر إذا مات تستريح منه العباد والبلاد، والشجر والدواب”.
وفي القرآن الكريم قوله تعالى: “ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ” (الروم: 41).
وفي تفسير هذه الآية الكريمة: ظهر النقص في الثمار والزروع بسبب المعاصي.
كذلك قوله تعالى: “فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنظَرِينَ” (الدخان: 29). أي لم تتفاعل السماء والأرض مع موتهم.
هكذا أشار القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف إلى بعض من قوانين هذا التفاعل والتأثير المتبادل بين الكون وأعمال البشر. بل كأن القرآن الكريم والنبي أرادا أن يلفتا أنظارنا إلى هذه العلاقة والتنبيه عليها.
لكن ما هي القوانين الأخرى التي تحكم هذه العلاقة المتداخلة بين الكون وفعل الإنسان، التي لم يُشر إليها القرآن والحديث، أو أُشير إليها ولم نفطن لها؟ وما هي آثارها على حركة التاريخ الإنساني؟ وهل كان لها تأثير؟
ثم كيف نستفيد من قوانين التفاعل الكوني؟ كيف نستفيد منها في الوصول إلى السعادة، والصحة، والغنى، والنجاح؟
أي: كيف نستطيع أن نتعامل مع الكون بنجاح؟ نستطيع أن نستفيد منها إذا عرفنا هذه القوانين وتفاعلاتها وآثارها.
في الوقت الذي تقوم فيه الرؤية الإسلامية لدراسة التاريخ على ثلاثة مساقات أساسية:
أولًا: الفعل البشري.
ثانيًا: علاقة الفعل البشري مع الكون والتفاعل بينهما، فالأكوان مرآة علاقته بالله.
ثالثًا: تدخل قوى الغيب، من خير أو شر.
فإن إحدى أكبر مشكلات العقل الغربي هي في عدم رؤيته للعلاقة بين الفعل الإنساني والطبيعة المحيطة به، أي الكون.
الكون والطبيعة في العقل الغربي لا علاقة لهما بالسلوك الإنساني، وهذه إحدى مساوئ أيديولوجيا فصل الدين عن الواقع، التي يعيشها الغرب منذ ما يُسمى بعصر التنوير.
الكون عندنا حيٌّ نابضٌ متفاعل، يقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:
“هذا أُحُدٌ، وهو جبلٌ يُحبُّنا ونُحبُّه”.
إذن، الكون ليس محايدًا، وهذا هو البُعد المُغيَّب في فهم ودراسة الواقع والتاريخ.





