نظرية “العقاب الإلاهي” بين غزة و كاليفورنيا

 

 

 

 

ذ.احمد براو

 

 

 

إن الله سبحانه وتعالى عرف نفسه بصفات وأسماء من بينها الصبور والمملي الذي يمهل ولا يهمل، وبين لنا أن من سننه الإلاهيه أخذه للظالمين أخذ العزيز المنتقم، وتكون نهايتهم أليمة، هم ومن وقف معهم حتى بقلبه ولسانه ووافقهم على ظلمهم، والمتأمل في عاقبة الظالمين في القرآن الكريم يجد أن الله تعالى عجلها لهم في الدنيا قبل الآخرة وأخزاهم ومحقهم وجعل مصارعهم عبرة وعظة بسبب طغيانهم وشناعة أفعالهم وبغيهم. يقول الحافظ ابن حجر رحمه الله: ” الغالب أن الظالم تعجل له العقوبة في الدنيا، وإن أمهل فإن الله يملي له، حتى إذا أخذه لم يفلته”، فوجب أن يتجرع الظالم مرارة الذل ويبوء بالخزي والعار، وعلى الباغي تدور الدوائر.

للأسف هناك الكثير من الناس يشككون ويتساءلون عن غياب التدخل الإلاهي في بعض المظالم الموجعة، وآخرون يتسألون عن الحكمة في تأخر استجابة دعوات المظلومين، والسر في هذا أن الله تعالى يعاقب عقوبة تأديب وردع واعتبار للآخرين وإذا أخذ الظالم من أول مظلمة صغيرة فإنها لا تظهر للناس ولا يسمع بها كثيرون ولذلك يترك المجرمين الظلمة حتى يشيع ظلمهم ويرتفع ويعلو ويبلغ عنان السماء حينها يأتيه أمر الله فيهوي به أسفل سافلين فالشيء كلما علا وارتفع كان سقوطه أجلى وأبين. قال الله تعالى: ﴿ وَكَذَٰلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَىٰ وَهِيَ ظَالِمَةٌ ۚ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾

قبل أيام قليلة حبس العرب والمسلمين أنفاسهم وهم يتابعون قصاصات الأنباء بتصريح وقح للرئيس الأمريكي المنتخب دونالد ترامب متوعدا ومهددا أنه “إذا لم يتوصل لاتفاق خلال أسبوعين موعد تنصيبه، يفضي لإطلاق سراح الأسرى عند المقاومة الفلسطينية بغزة فإن أبواب الجحيم ستفتح على مصراعيها في الشرق الأوسط والوضع لن يكون جيدا لأي أحد”. وقف بتجبر يهدد الشرق الأوسط وغزة بالجحيم فجاءه الرد من القدر على الفور بأن النيران لا تفرق بين الشعوب ولا تستجيب للتهديدات السياسية، حيث انفتحت أبواب الجحيم على مصراعيها في قلب الولايات المتحدة نفسها وخلال ساعات قليلة، شبت نيران لا تبقي ولا تذر، لهيبها لا يرحم أحدا، وتوقعات الخسائر قد تصل لأكثر من 150 مليار دولار، بمعدل 4% من الدخل العام، وأصبحت تهدد 19 مليون أمريكي، وامتدت حتى عاصمة السينما العالمية هوليود فانغمرت سماءها بالدخان والنار. وقضت على المنتجعات والإقامات الفاخرة لأغلب المشاهير بأمريكا، حرائق أتت على ممتلكات الممثل الأمريكي الشهير جيمس وودز فظهر وهو يبكي على ضياع منزله الفاخر المقدر بمليون دولار، ناسيا أنه غرد قبل ذلك على منصة إكس بأنه لا يجب إيقاف الإبادة على غزة قبل أن يتم قتل أهلها جميعا..

حرائق كاليفورنيا أصبحت حدثا كبيرا تسبب بدمار وخسائر مادية وبشرية كبيرة، وازدادت من الفجوة بين الامريكيين حول أسبابها ومن يتحمل المسؤولية لما وقع في السابع من يناير 2025 مما أثار الذعر بين السكان وهم يهرعون للفرار من الحرائق المهولة والدمار الهائل في المنازل والمزارع والبنى التحتية خاصة مع ارتفاع درجة الحرارة بطريقة غريبة وهبوب رياح عاتية ساعدت على انتشار النيران بسرعة فائقة الشيء الذي أذهل علماء المناخ والباحثين حول ماجرى ومن دون إنذار مسبق او استشعار بالخطر علما ان الولايات المتحدة الأمريكية تعتبر أقوى إمبراطورية حاليا في العالم، ولها أجهزة وإمكانات استشعارية جد متطورة للاستباق والتوقع، وللوقاية من الزلازل والأعاصير وتغير المناخ وتقلبات الطبيعية.

الذي حصل في لوس انجلوس يبقى لغزا محيرا وصفه حاكم كاليفورنيا بأنه يشبه بقنبلة هيروشيما النووية. وقد كان بعضهم فعلا يهددون بإلقاءها على غزة العزة، وقد فعلوها حقيقة بطريقة إرسال القنابل الضخمة لربيبتهم في فلسطين المحتلة. القنبلة النووية الذي ضربت كاليفورنيا لم يطلقها عليهم الفلسطينيون ولا الروسيون ولا غيرهم، لكن هذا ربما يكون عقابا او تذكيرا أو آية من آيات الله في أرقى وأقوى دولة في العالم التي تدعي التنبؤ بالكوارث وتستطيع منعها أو تجنب أخطارها ولكنها بدت ضعيفة هزيلة وعاجزة أمام هذه الضربة الإلاهية والآية الربانية، وهم أنفسهم الذين يدعون العلمانية هرعوا للكنائس لإقامة الصلوات والترنيمات الروحانية والتضرع والدعوات للإلاه القدير لحمايتهم ورحمتهم ورفع الضرر عنهم.
فهل تجلت هنا الوعود الإلاهية بالعقاب لمن يظلم الآخرين؟ سؤال حير الجميع خصوصا عند تضارب المفاهيم والقيم الإنسانية والأخلاقية، وربما المصادفة الزمنية بين ما يتعرض له المستضعفين المسلمين من ترويع ودمار وبين ما ينزل على المستكبرين من الكوارث خاصة التصريحات الاخيرة للرئيس ترامب التي اشار فيها إلى نيته تحويل الشرق الاوسط إلى جحيم، وبين ما ظهر من مشاهد إخلاء المستشفيات في لوس انجلوس مقارنة مع ما تتعرض له مستشفيات غزة من إخلاق بالسلاح والقوة، معتبرين ما يحدث عقاب إلاهي واضح على السياسات والمواقف الامريكية التي ساهمت في استمرار المآسي على غزة، وربطها استدلالا بالآية القرآنية، قال تعالى: “إِن تَكُونُواْ تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ ۖ وَتَرْجُونَ مِنَ ٱللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ ۗ”.

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...