مصطفى الطالب
ناقد فني
منذ ظهوره، يشهد الفن الفوتوغرافي في المغرب تطورًا مستمرًا بفضل العديد من الفنانين المغاربة المقيمين سواء في المغرب أو في الخارج.
سي محمد الشادلي هو واحد من هؤلاء الفنانين البارزين المغاربة المقيمين بالخارج. تقوده مغامرته الفتوغرافية من المغرب إلى فرنسا. حيث يدرس الفنون البصرية وحيث أكمل دراساته العليا في “الإيكوفيزيولوجيا والتشكلات النباتية” في جامعة كليرمون فيرون، وخلالها استخدم التصوير الفوتوغرافي كأداة للتحقق من أبحاثه؛ مما يمنح أعماله ثراءً وتنوعًا وعمقًا يوقعها في العديد من المعارض الفردية والجماعية في البلدين.
بين الوطن الأم وبلد الاستقبال، تُنسج مغامرة هذا الفنان الفوتوغرافي الذي هو في حالة ترحال دائم، “لوحات” تسحر العين وتستفز الذاكرة؛ إنها تخلق “جسورًا” لتوحيد الاختلافات، متوافقة بذلك مع مفهوم “الفن العالمي الذي يمكن أن يُعد البشر للاتحاد النهائي” للكاتب الروسي العظيم ليو تولستوي، رائد الجماليات الحديثة، الذي كتب في كتابه/دراسته “ما هو الفن؟”: “إن مهمة الفن في عصرنا هي نقل الحقيقة من مجال العقل إلى مجال الشعور: أن سعادة البشر تكمن في اتحادهم”.
هذه المغامرة تستحق الاكتشاف والاستكشاف. خاصة في هذه السنة التي يحتفل فيها بالذكرى المئوية الثانية للتصوير الفوتوغرافي، من الممتع والحكيم أن نتعمق في العمل الفني لمصور لازال حبله السري مرتبطًا بأرضه الأم؛ والذي استطاع أن يعيد للفن الفوتوغرافي مكانته الرفيعة، خاصة في عصر حيث التكنولوجيا (الهواتف المحمولة) غالبًا ما جعلت النقر أو النقرة الفوتوغرافية أمرًا عاديًا.
1- نظرة معينة على المغرب

أحد الثوابت في العمل الفوتوغرافي لسي محمد هو المناظر الطبيعية المغربية بكل بهائها وتنوعها الثقافي والجغرافي الحضري والريفي. في الواقع، عند تأمل صور سي محمد، نلاحظ أن المغرب هو في قلب هذا الإنتاج الغزير، أو بعبارة أخرى، في قلب عين العدسة التي تلتقط الزمان والمكان، الإنسان وتاريخه. هذا الواقع، يصرح به في لقاء مع الصحافة: “أحاول إثارة التبادل من أجل دفع الجمهور إلى إدراك الثقافة المغربية بكل جوانبها”.
وهكذا، منذ سنوات، يجوب هذا المصور المخضرم شوارع المدن المغربية ويتجول في مختلف المناظر الطبيعية من شمال المغرب إلى جنوبه، لتصوير (من الفضي إلى الرقمي) الأشخاص (المارة، الشباب، النساء، الرجال، والأطفال)؛ الأشياء والأغراض (الفخار، الخشب، القوارب، الحرف اليدوية…) وكذلك الأماكن وهندستها المعمارية (المدينة القديمة، الأزقة، الأسوار، المساجد، الكنائس، المنازل القديمة…)، بأشكال وزوايا مختلفة تمنح المشاهد لحظة من السعادة والتمتع بجمال الشيء المصور، كونه موضوعًا فنيًا وموضوعًا للتأمل.
في الواقع، هذا المؤلف-المصور-المخرج، المنحدر من شمال المغرب وتحديدًا من إقليم شفشاون، وبالتحديد من بلاد غمارة (التي خصص لها ابن خلدون جزءًا من كتابه “تاريخ البربر والعرب في شمال إفريقيا”، يأخذنا إلى أماكن مختلفة من المغرب، أحيانًا إلى أطرافه، من خلال نظرة شخصية حنينية ثاقبة، تارة بالأبيض والأسود، ونحن نعرف أن الجمالية تكمن في الأبيض والأسود الذي يحتفظ بنبل تاريخي؛ وتارة بالألوان التي تعكس الضوء، النضارة والحسية.
علاوة على ذلك، من هذه الصور، التي تتحدث وتروي قصصًا متعددة الألوان والثقافات، تنبثق مجموعة من الموضوعات الرئيسية التي تعبر عن ثراء العمل الفني لسي محمد. يمكننا ذكر:
1- موضوع الطبيعة بشكل عام، والبحر بشكل خاص في جوانبه المتوسطية والأطلسية، حيث يسيطر اللون الأزرق البحري على الصور (بجانب الأخضر والرمادي)، “البحر هو فضاء للصرامة والحرية.” كما يذكرنا الشاعر الرومانسي الكبير فيكتور هوغو. يبدو أن الصرامة تميز تقنية التصوير الفوتوغرافي لسي محمد، حيث تنبعث من صوره رائحة الحرية والهروب.

2-عبور الزمان والمكان، حيث أن بعض الصور، التي تخترقها حركة الزمن، تلتقط رحلة بعض الأماكن بين الماضي والحاضر، كما هو الحال في بعض المناظر الطبيعية لطنجة وأماكن مدينة شفشاون. في هذا، يؤكد سي محمد فكرة أن التصوير الفوتوغرافي هو فن الزمان (والمكان).
3- ثم موضوع التراث الثقافي المغربي (من خلال الرياضات، الأسوار، المواقع)، بعظمته وتفاصيله (أحيانًا الأندلسية)، الذي يعكس النظرة الثاقبة للمصور تجاه “مغربه الخاص”. هذا الموضوع يظهر مدى وعي هذا الفنان بالدور الرئيسي للتراث في استمرارية ثقافة الشعوب وهويتهم.
4- تيمة التنوع الروحي الإسلامي-اليهودي-المسيحي الذي يعيشه المغرب منذ قرون، وهو موضوع واسع النطاق يؤكد على الاستثناء الثقافي المغربي في عصر حيث الانغلاق الهوياتي متفشٍ. لاستحضار هذا الموضوع، يضفي فناننا الرمزية لمختلف أماكن العبادة في بعض المدن المغربية، وخاصة في مدينة طنجة. هذه الأشياء المصورة، التي هي أماكن العبادة، تتجاوز المكان لتصبح رمزًا فنيًا يحطم الأحكام المسبقة والصور النمطية.
ومع ذلك، إذا كان الهدف الرئيسي هو تصوير المغرب في تنوعه، فإن فناننا لديه فن تجنب فخ الصورة النمطية أو الفلكلورية للوصول إلى إظهار “مغربه الخاص”. كما يسلط الضوء على خصوصية المغاربة دون الوقوع في الوثائقي البحت، في حين أن التصوير الفوتوغرافي كان يُنظر إليه لفترة طويلة على أنه أداة توثيق؛ ومن هنا تأتي أصالة سي محمد، حيث “اللقطة الفوتوغرافية” تعرف متى وكيف تلتقط “اللحظة الحاسمة” وأبديتها.

بفضل صور سي محمد، يمكن للمشاهد المغربي، العادي او المتخصص، أن يغير نظرته تجاه بلده، ثقافته وحياته اليومية، كما يمكنه تعديل علاقته مع الأماكن المعتادة التي تبقى، في الواقع، غير ملحوظة.
هكذا نرى البحار، الصحاري، السهول، الجبال المغطاة بالثلوج أو غير المغطاة، الموانئ، النباتات، المدن، القرى، الأسواق، المدينة القديمة، صور متنوعة، كلها أهداف متنوعة تلتقطها عدسة/عين سي محمد بأسلوب فريد يستخدم القواعد البصرية لإعطاء حيوية ملحوظة لأعماله الفوتوغرافية ولتشكيل ما يمكن أن نسميه أيقونية أسطورية للمغرب.

2-التصوير الفوتوغرافي كمشروع ثقافي
بعيدًا عن أبعاده الفنية والجمالية، فإن العمل الفوتوغرافي لسي محمد له أيضًا بعد ثقافي، حيث ينبع من مشروع ثقافي لأن الصورة، حسب سي محمد، هي “موضوع ثقافي وهو أيضًا في نظري أداة تربوية لنقل المعرفة.” كما عبر عن ذلك في مقابلة صحفية. وبهذا ، يذكرنا سي محمد بتولستوي، الذي يعتبر الفن وسيلة لنقل “أعلى مشاعر الإنسانية.” كما جاء في كتابه “ما هو الفن؟”.
إذن، ما هو هذا المشروع الثقافي لسي محمد؟
أولاً، يجب أن نذكر أن ما يعرّف المشروع الثقافي ويميزه عن المشروع غير الثقافي هو هدفه الاجتماعي-الثقافي والأهداف التي يحملها، بغض النظر عن منهجه الجمالي والإمتاعي. وكل مشروع ثقافي يهدف إلى تعزيز الفن والثقافة، التوعية والتعليم، إحياء التراث الثقافي وتعزيز الحوار بين الثقافات والأجيال.
على ضوء هذا التذكير، يمكننا القول إن نقطة البداية والنهاية لمغامرة سي محمد الفنية هي هذا الهدف الاجتماعي-الثقافي والتربوي الذي يرفع من شأن التراث الثقافي المغربي ويضيء على الإرث الثقافي للمغاربة الذي قد يقع أحيانًا في النسيان أو يمرون عليه دون أن يلاحظه أحد؛ لأن الناس معتادون على التعرف على الأشياء لكنهم لا ينظرون إليها. وهنا يأتي دور المصور/الفنان: إنه “يُظهر” لنا، يعلمنا “النظر” و”يوجه” نظرتنا. ألم يقل بول كلي، في كتابه “نظرية الفن الحديث”، إن “الفن لا ينسخ المرئي، بل يجعل المرئي مرئيًا.”؟
إذا كانت كل صورة جزءًا من التاريخ الشخصي لسي محمد، فهي أيضًا تاريخ هذا البلد الذي شكله وأسر نظرة الفنان بجماله وغناه الثقافي. في هذا الصدد، تمثل الأصالة السمة الرئيسية للمشروع الفني والثقافي لسي محمد. أصالة تدعو إلى التفكير والتأمل وإعادة استكشاف المغرب “المُلتقط” في جوانبه العرقية-الثقافية المتعددة.
هذه الجوانب المتعددة ممثلة بوضوح من خلال استخدام تقنيات تصوير متنوعة تتراوح من المنظور إلى ألعاب الضوء والتباين، مرورًا بتنوع اللقطات (من الواسع إلى الضيق)، الظل والنور، والاستخدام الدقيق للألوان. لأن التقاط لحظة يتطلب بالضرورة تقنية ومعرفة بالموضوع. البعض يقول أيضًا الصدفة.
باختصار، في صوره، كل شيء له دلالة ثقافية: الأماكن، المناظر الطبيعية، الأشياء، الملابس، الألوان، النهار والليل، حتى التفاصيل التي تقدم نظرة شاملة. كل هذا يخلق سمفونية ثقافية معينة في العمل الفوتوغرافي لسي محمد.
وبالتالي، إذا كانت “الصورة لها شيء من الجنائزية”، كما قال هنري كارتييه بريسون، فإن صور سي محمد، على العكس، تتحدث عن الحياة، تلتقط وتخلد الوجود في تنوعه المكاني-الزماني والثقافي. في هذا الإطار يمكننا القول إن سي محمد يمارس “تصوير الحياة” الذي يضع، في المقام الأول، الإنسان في قلب مشروعه الثقافي.

3-فنان مطلوب
منذ الأزل، كان الهم الأكبر للفنان هو إيجاد جمهور، خاصة المخلص، والاستجابة لطلب يضمن له الاعتراف والمنافسة مع فنانين آخرين. الفنان-المصور سي محمد، الذي يتميز بانفتاحه وتبادله، ليس لديه هذا الهم. اليوم، هو مطلوب بشدة، سواء في فرنسا حيث يعرض كل عام تقريبًا، مثل معرضه الحالي، “الفضاءات الطبيعية والإبداعات البشرية: شمال المغرب مكشوف” في ديجون، أو في المغرب حيث يتم دعوته من قبل عدة مؤسسات منها مؤسسة محمد السادس للنهوض بالأعمال الاجتماعية للتربية والتكوين – المؤسسة التي ستستضيف قريبًا، في تطوان، معرضه الجديد بعد أن عرض أعماله في “فضاء ريفاج” لمؤسسة الحسن الثاني للمغاربة المقيمين بالخارج في الرباط.
هذا يعني أن العمل الفوتوغرافي لسي محمد، الذي يستند إلى أساس فكري، لا يمكن تجاهله لجماله وقيمه الجمالية، لثرائه الموضوعي والثقافي، وللنظرة الأصيلة للفنان التي يحملها. ومع ذلك، كل شيء في النظرة، كما قال المؤرخ بول غويون: “أي شخص يمكنه الضغط على زر الكاميرا والتقاط صورة. لكن امتلاك نظرة ليس في متناول الجميع”.
بهذا، تجربة سي محمد الفنية، التي تجذب جمهورًا كبيرًا، تضيف/تمثل قيمة مضافة للمجال الفني المغربي بشكل عام والفوتوغرافي بشكل خاص، وهي تثريه أيضًا “من هنا وهناك”، هذه التجربة، التي يجب الانفتاح عليها، تجعل دائمًا صاحبها ملتزما تجاه الحياة الاجتماعية، الثقافية والفنية لبلده المغرب، الذي يبقى مصدر إلهام لا ينضب، والذي يظل دائمًا ممتنًا لفنانيه، كتابه ومفكريه المقيمين بالخارج.

خاتمة:
لإعطائنا تذوقًا لجودة أعماله ولإطلاعنا على كنوز مغامرته الفوتوغرافية، يعمل فناننا سي محمد باجتهاد وانسياب وتطلع للكمال. لهذا السبب،كل نقرة عنده لها معنى، كل لقطة تعكس رؤية للشيء المصور، بل للعالم، وكل حركة تحكي قصة. يمكن القول إن التصوير الفوتوغرافي بالنسبة لسي محمد ليس فقط شغفًا بل أيضًا سبب وجوده وأسلوب حياة له طقوسه وتقنياته الخاصة. في هذا، يلتقي مع سلفه هنري كارتييه بريسون، مؤسس وكالة ماغنوم، الذي قال: “التصوير الفوتوغرافي هو موقف، طريقة للوجود، أسلوب حياة”.
أخيرًا، من العمل الفوتوغرافي لسي محمد ينبعث جانب شعري يجعل من التصوير الفوتوغرافي قصيدة ومن المصور شاعرًا: شاعر الجمال، شاعر اللحظة والعابر، يشبه لامارتين في “البحيرة”، أو بودلير في “القطرس” أو “سأم باريس”. هذا الجانب الشعري يرفع من شأن الفعل الفوتوغرافي الذي هو، في جوهره، فعل إبداعي فني.





