عبدو “مول الحوت”: صوت الفقراء في مواجهة لوبيات الاحتكار

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

عبد القادر الفرساوي

 

 

 

لم يكن عبد الإله، الشاب البسيط المعروف بين زبائنه باسم “عبدو”، يدرك أن قراره ببيع السمك بسعر زهيد سيحوله إلى رمز لمقاومة الاحتكار والمضاربة في الأسواق المغربية. حينما قرر أن يبيع السردين بخمسة دراهم فقط (نصف دولار) للكيلوغرام، لم يكن يشن حملة سياسية أو يقود احتجاجا في الشوارع، بل كان يمارس فعلا بسيطا: البيع بسعر عادل. لكنه، دون أن يدري، كان يهدم جدارا متينا بناه المضاربون عبر سنوات طويلة، جدارا يقسم السوق إلى طرفين؛ القلة المتحكمة في الأسعار، والأغلبية التي تدفع الثمن.

وسط زحمة الأسواق المكتظة، حيث الأثمنة تتقلب مثل أمواج البحر بلا منطق واضح، جاء عبدو ليكشف السر الذي يعرفه الجميع ويصمتون عنه: الأسعار ليست نتيجة العرض والطلب كما يروج، بل نتيجة شبكات منظمة تتحكم في تدفق البضائع، وترفع الأسعار كيفما تشاء. هذا لم يكن كلاما نظريا يردده خبراء الاقتصاد أو يكتبه الصحفيون في أعمدة الجرائد، بل حقيقة أكدها وزير الصناعة والتجارة نفسه حين صرح بأن 18 مضاربا فقط يتحكمون في سوق اللحوم الحمراء بالمغرب، وهو وضعٌ ينطبق على باقي القطاعات، من الخضر إلى الأسماك.

عبدو لم يكن خبيرا اقتصاديا ولا رجل سياسة، لكنه أدرك المعادلة البسيطة: اشترِ السمك مباشرة من الميناء، وتجنَّب الوسطاء، وستكون الأسعار عادلة. وكأنه أراد أن يثبت أن الأزمة ليست في قلة الموارد، بل في من يتحكم فيها. قرر أن يكون هو الفجوة في جدار الاحتكار، لكنه لم يكن يعلم أن هذا الجدار لن يسقط بسهولة.

لم يمر وقت طويل حتى بدأت المتاعب تلاحق عبدو. فجأة، وجد أن محله أصبح مستهدفا، وأن سلطات المدينة قررت إغلاقه. لم يكن السبب واضحا، ولم يكن هناك قرار رسمي يوضح المخالفة التي ارتكبها، لكن الرسالة كانت جلية: لا مكان لمن يخرج عن القواعد غير المكتوبة للسوق.

هنا لم يكن عبدو مجرد بائع سمك، بل أصبح رمزا لمعركة أكبر، معركة بين من يريد سوقا حرة حقا، وبين من يريدها سوقا مغلقة تتحكم فيها فئة محدودة من المضاربين. القضية لم تعد تتعلق فقط بسعر السردين، بل تحولت إلى سؤال جوهري عن العدالة الاقتصادية: هل يحق للمواطن البسيط أن يبيع بأسعار عادلة؟ هل يُسمح له بتجاوز الوسطاء وتحقيق هامش ربح معقول دون الخضوع لشبكة المصالح الكبرى؟

انتشر فيديو عبدو وهو يشرح للناس كيف تمكن من البيع بسعر أقل، وكيف أن الوسطاء يرفعون الأسعار بلا مبرر. لم يكن يتحدث بانفعال، لم يكن يحرض أحدا، فقط كشف الحقيقة ببساطة. لكن هذه البساطة كانت كافية لإشعال نقاش واسع حول فساد الأسواق، وكشفت غياب الإرادة السياسية الحقيقية لمواجهة المضاربة.

الحقوقيون لم يتأخروا في التقاط هذه الإشارة، فأعلن المرصد الوطني لمحاربة الرشوة وحماية المال العام ضرورة فتح تحقيق معمق في آليات المضاربة والاحتكار، ومحاسبة الجهات التي ترفع الأسعار بشكل غير مشروع. كما دعا إلى تجريم الاحتكار والمضاربة، ومنح مجلس المنافسة صلاحيات حقيقية لتفعيل الرقابة وفرض العقوبات الرادعة. لكن هل يكفي هذا؟ هل تكفي التشريعات وحدها لكسر احتكار متجذر في السوق؟

إن القصة الحقيقية ليست قصة عبدو فقط، بل قصة كل بائع صغير قرر أن يكسر احتكار الكبار، فوجد الأبواب تُغلق أمامه. لم يكن عبدو يطلب دعما حكوميا، لم يطلب إعفاءات ضريبية، لم يخرج إلى الشارع محتجا، بل فعل أبسط ما يمكن أن يفعله تاجر في سوق حرة: باع بسعر يرضيه ويرضي زبائنه. لكن في ظل اقتصاد تتحكم فيه فئة قليلة، قد يكون هذا الفعل البسيط تهديدا كبيرا.

إن مشكلة المضاربة والاحتكار ليست في قلة القوانين، بل في غياب تفعيلها، وليست في قلة الموارد، بل في من يتحكم في توزيعها. اليوم، قد تكون قضية عبدو مجرد حادثة عابرة في مراكش، لكنها كشفت عيوبا بنيوية في الاقتصاد المغربي، حيث لا تزال الأسواق ساحة معركة بين من يريد العيش بكرامة، ومن يريد التحكم في أرزاق الناس.

المغرب اليوم يتغير، والعالم يشهد بذلك. قفزات دبلوماسية، إنجازات أمنية، وعلاقات خارجية تزداد رسوخا في المشهد الدولي. لم يعد المغرب ذلك البلد الذي يمر مرور الكرام في المحافل الكبرى، بل أصبح فاعلا أساسيا في القضايا الإقليمية والدولية، يفرض نفسه كشريك موثوق واستراتيجي. لكن، وبينما تتحرك البلاد بسرعة في الملفات الخارجية، تبقى الأوضاع الداخلية تُثقل كاهل المواطنين، خصوصا الفئات البسيطة، تلك التي تُشكل عمق المغرب الاجتماعي. بالنسبة لهم، لا تعنيهم الاتفاقيات الدولية بقدر ما تعنيهم أسعار الأسواق، الكرامة في العيش، والعدالة في الاقتصاد. وبين هذا وذاك، يقف سؤال حارق: هل تسير التغييرات الداخلية بالوتيرة نفسها التي يشهدها العالم على المستوى الدبلوماسي والأمني؟

لم يكن عبدو بحاجة إلى دعم سياسي، ولا إلى وقفات احتجاجية، كان فقط يحتاج إلى حقه في البيع والشراء دون تدخل السماسرة الكبار. لكن هذا الحق أصبح رفاهية، وتحولت التجارة الحرة إلى شعار نظري، بينما تبقى السيطرة الفعلية في أيدي قلة تعرف كيف تحكم قبضتها على الأسواق.

المعركة الحقيقية ليست بين عبدو وأولئك الذين أغلقوا متجره، بل بين نموذج اقتصادي يحتكر الثروة، وبين شعب يسعى للعيش بكرامة. واليوم، بينما يتحرك المغرب نحو مستقبل أكثر إشراقا، يبقى السؤال: هل تستطيع الدولة ضبط السوق بنفس الحزم الذي تضبط به حدودها الدبلوماسية والأمنية؟

لأن التغيير الحقيقي ليس فقط فيما يشهده العالم من نجاحات المغرب الخارجية، بل في قدرة المواطن العادي على أن يربح رزقه دون أن يُحاسب على كسره لقواعد الاحتكار.

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...