ترامب يغلق أبواب البيت الأبيض في وجه زيلينسكي: هل انتهت المغامرة الأوكرانية؟

إيطاليا تلغراف

 

 

 

عبد القادر الفرساوي

 

 

 

في لحظة فارقة من تاريخ العلاقات الأمريكية الأوكرانية، تحوّل البيت الأبيض من منصة للدعم غير المشروط إلى حلبة صراع مكشوف بين رئيسين يرى كلٌّ منهما العالم بمنظور مختلف. كان المشهد أشبه بفصل درامي مشحون في مسرح السياسة الدولية، حيث وقف فولوديمير زيلينسكي، الممثل السابق الذي اعتاد اعتلاء خشبة المسرح، في مواجهة دونالد ترامب، الرئيس الأمريكي العائد بقوة والرافض للمجاملات الدبلوماسية.

لم تكن زيارة زيلينسكي إلى واشنطن كما أرادها، فبدلا من تأمين دعم أمريكي جديد لمواجهة روسيا، خرج من المكتب البيضاوي بخيبة أمل ثقيلة، وكأنه لم يكن ضيفا بل متهما يخضع لاستجواب. حاول الرئيس الأوكراني، كما اعتاد، أن يلعب بورقة المشاعر والمظلومية، لكن ترامب، الذي يقرأ السياسة كصفقة لا كخطاب أخلاقي، لم يكن مهتما بذلك.
“بإمكانه العودة لاحقا عندما يكون مستعدا للسلام”، بهذه العبارة، وضع ترامب زيلينسكي أمام خيار لم يكن يتوقعه: إما السعي الجاد لإيجاد حلّ سياسي للأزمة الأوكرانية، أو البقاء خارج دائرة الاهتمام الأمريكي. لم تكن هذه مجرد كلمات عابرة، بل رسالة واضحة بأن أوكرانيا لم تعد تُعامل كورقة ضغط أمريكية ضد روسيا، بل كعبء استراتيجي يحتاج إلى حلّ.
لطالما اعتبرت واشنطن أوكرانيا خط دفاع أمامي في مواجهتها الجيوسياسية مع موسكو، لكن مع عودة ترامب، تغيّرت قواعد اللعبة. لم تعد الأولوية لصبّ الأموال والأسلحة في حرب لا نهاية لها، بل أصبح الحديث عن “صفقة” تنهي النزاع أكثر واقعية من أي وقت مضى. هذه ليست مجرد مناورة، بل تعبير عن مزاج أمريكي داخلي متغير، حيث بدأ الشارع الأمريكي

يتساءل: إلى متى سنمول حربا لا نعرف نهايتها؟
ترامب، الذي يرى السياسة من منظور رجل الأعمال، لا يهمّه استمرار الحرب بقدر ما يهمّه المكاسب التي يمكن تحقيقها منها. من هنا، جاء ضغطه على زيلينسكي ليعلن استعداده للسلام، وهي خطوة تعني ضمنيّا تقديم تنازلات مؤلمة لكييف. لكن زيلينسكي، الذي بنى شرعيته على مقاومة “العدوان الروسي”، يدرك أن مجرد إظهار الرغبة في التفاوض قد يهدد موقعه داخليّا، خاصة مع تزايد الضغط العسكري الروسي.

لم يكن زيلينسكي بحاجة فقط إلى المال والسلاح، بل إلى صورة رمزية تعيد إليه بعض الهيبة السياسية بعد التراجع العسكري الميداني. لكنه وجد نفسه في موقف دفاعي أمام ترامب، الذي لم يتردد في تذكيره بأن أمريكا أعطته أكثر مما ينبغي. والأصعب من ذلك، كان إدراكه أن البيت الأبيض لم يعد ممرا مفتوحا لمطالبه كما كان في عهد بايدن.
أصبحت خيارات زيلينسكي محدودة: إما أن يذهب إلى أوروبا باحثا عن دعم بديل، وإما أن يبدأ في استيعاب التحول الأمريكي الجديد نحو وقف التصعيد. لكن المشكلة أن أوروبا نفسها لم تعد كما كانت، فمع تصاعد النزعات اليمينية والتراجع الاقتصادي، بدأ الدعم الأعمى لكييف يفقد بريقه.
إذا كان ترامب قد طرد زيلينسكي فعليّا من البيت الأبيض، فإن الرسالة الأعمق هي أن واشنطن لم تعد ترى الحرب الأوكرانية كأولوية، بل كإرث ثقيل يجب التخلص منه. لقد خاضت أمريكا مغامرات عسكرية عديدة، من أفغانستان إلى العراق، لكنها في النهاية تعلمت أن لا حرب تدوم إلى الأبد. وها هي تعيد تطبيق الدرس نفسه مع أوكرانيا.
في النهاية، لم يكن هذا اللقاء مجرد مشادة كلامية، بل لحظة سياسية مفصلية تضع أوكرانيا أمام حقيقة مُرّة: ليس كل ما هو استراتيجي لأمريكا، هو أولوية دائمة لها.

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...