زيلينسكي على سرير السياسة الأوروبية: هل يسعفه الوقت؟

 

 

 

 

عبد القادر الفرساوي

 

 

 

في ردهات السياسة العالمية، حيث تُكتب الفصول الجديدة للصراعات والمصالح، يقف الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي وكأنه في غرفة إنعاش دبلوماسي، يترقب قرارات الأطباء السياسيين الذين يحيطون به، بعضهم يهمس بحلول، وآخرون يتناقشون بصوت خافت حول جدوى إنقاذه أصلا. لم يكن لقاءه الأخير مع دونالد ترامب سوى عملية جراحية فاشلة خرج منها مترنحا، بينما تتسابق أوروبا الآن لإيجاد جهاز تنفس اصطناعي يحافظ على علاقته مع واشنطن.
لم يكن الصدام بين زيلينسكي وترامب مجرد حادثة عابرة في جدول أعمال السياسة الدولية، بل كان زلزالا ارتجّت على إثره العواصم الأوروبية. كير ستارمر، إيمانويل ماكرون، وجورجيا ميلوني، قادة تحاصرهم أسئلة مُلِحّة: كيف يمكن احتواء الكارثة؟ كيف يعيدون زيلينسكي إلى الطاولة مع ترامب دون أن يفقدوا ماء وجههم؟ كيف يواصلون لعب دور الحلفاء المخلصين، بينما تلوح في الأفق إشارة إلى أن أمريكا قد تغلق الباب في وجه أوكرانيا؟
تسارعت التحركات، وأصبحت لندن مسرحا لحركة دبلوماسية محمومة، حيث سعى القادة الأوروبيون إلى إقناع ترامب بالعودة إلى طاولة الحوار قبل أن يجد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الفرصة لاقتناص لحظة التردد الغربية. البعض في أوروبا بدأ يرى أن الحل قد يكون في تقديم عرض جديد لترامب، عبر ما يُسمى بمبادرة “أوروبا زائد”، التي تضم دولا مثل كندا إلى جانب أعضاء الاتحاد الأوروبي. ربما، بهذه الطريقة، يمكن إقناع الرئيس الأمريكي بأن له مصلحة استراتيجية في الإبقاء على أوكرانيا تحت جناح الغرب.
لكن وراء الأبواب المغلقة، بدأت حسابات السياسة الواقعية تتسرب إلى السطح. فعلى الرغم من التصريحات العلنية الداعمة لكييف، هناك همسات في أروقة الدبلوماسية الأوروبية تشير إلى أن بعض القادة يفضلون استعادة علاقاتهم مع واشنطن حتى لو كان ذلك على حساب أوكرانيا. هل أصبحت كييف عبئا يصعب حمله؟ هل بدأ الغرب يتعب من تمويل حرب لم تعد نتائجها واضحة؟
بينما تنشغل أوروبا بمحاولات إنقاذ زيلينسكي سياسيا، يتحدث فيكتور أوربان، رئيس وزراء هنغاريا، بنبرة مختلفة تماما، مؤكدا أن ما جرى في القمة الأخيرة هو مجرد قرار بتمديد الحرب، وليس العمل على إنهائها. أما في موسكو، فإن القيادة الروسية تراقب المشهد بنظرة المنتصر الصامت، حيث يؤكد بوتين أن أي حل يجب أن يكون سلاما طويل الأمد، وليس مجرد هدنة تُمكّن كييف من إعادة التسلح.

على مسرح السياسة العالمية، لا يمكن لزيلينسكي أن يبقى طويلا في غرفة الإنعاش، فإما أن يخرج منها مدعوما بقرارات أوروبية وأمريكية تُبقيه واقفا على قدميه، وإما أن يجد نفسه وحيدا في أروقة الصراع، يبحث عن حليف جديد بينما تواصل العواصم الكبرى إعادة رسم خرائط النفوذ. الأيام القادمة وحدها ستحسم ما إذا كان الدعم الأوروبي مجرد تخدير مؤقت، أم أنه عملية إنقاذ حقيقية لرجل يقف على حافة الهاوية.

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...