عبد القادر الفرساوي
حين يصبح الألم تجارة، والمستشفى سوقا للمساومات صدمني التقرير الأخير الصادر عن المندوبية السامية للتخطيط، رغم أنني اعتقدت أنني لم أعد أُفاجأ بشيء في هذا الوطن الذي يُتقن صناعة الصدمات. طبيب واحد لكل 2000 مغربي؟ ربما لا عجب إذن أن تتحول المستشفيات إلى ساحات انتظار بلا نهاية، حيث يذوب المرضى بين الممرات المزدحمة، ويصبح العثور على طبيب أشبه برحلة بحث عن سراب في صحراء الإهمال.
في جهة الدار البيضاء – السطات، حيث يقطن أكثر من 7 ملايين ونصف، لا يتجاوز عدد الأطباء 3120، أي أن كل طبيب عليه أن يكون آلة خارقة، قادرة على فحص مئات المرضى يوميا، والاستماع إلى أنينهم قبل أن ينهار هو الآخر. في جهة الرباط – القنيطرة، التي يُفترض أنها واجهة النظام الصحي، يصل معدل الأطباء إلى طبيب لكل 1763 شخصا، رقم يبدو وكأنه مقتبس من فيلم خيالي إذا ما قورن بالمعدل الذي توصي به منظمة الصحة العالمية.
لكن الأرقام، مهما كانت صادمة، لا تعكس سوى جزء من المأساة. المعاناة الحقيقية تبدأ عند أبواب المستشفيات، حيث يتعامل رجال الأمن الخاص مع المرضى وكأنهم متسولون، يدفعونهم بعنف، يصرخون في وجوههم، كأن الألم الذي يحملونه لا يكفي لإثبات حاجتهم للعلاج. وما إن تعبر هذا الحاجز القاسي حتى تجد نفسك في متاهة أخرى؛ تسأل عن الطبيب فيقال لك: “لم يأت بعد”، تسأل عن الموعد فيقال لك: “ارجع بعد شهر”، تسأل عن السكانير، فتسمع الجواب المعتاد: “سكانير خاسر اخويا”.
لكن العطب هنا انتقائي، فهو لا يصيب الجهاز إلا إذا كنت مواطنا عاديا، ممن لا يملكون سوى بطاقة التعريف وبعض الصبر. أما إذا كنت ممن يجيدون لعبة “الإكراميات”، ممن يعرفون من أين تؤكل الكتف، ممن يعرفون كيف تُقدَّم “قهيوة” بالمقدار المناسب، فستجد بابا خلفيا يقودك مباشرة إلى الجهاز السليم، الذي كان معطلا قبل لحظات، لكنه فجأة عاد إلى العمل بقدرة قادر. كأن هذا الباب الخلفي بوابة سحرية، لا تعترف بأعطاب المستشفى، ولا بتقارير الوزارة، ولا حتى بقوانين الفيزياء.
وفي مستشفى الإدريسي بالقنيطرة، حيث تنعدم الكرامة قبل أن تنعدم الخدمة، يتحول المرضى إلى مجرد أرقام في طابور طويل من الإهمال. الروائح الكريهة تعبق في الأروقة، والأطباء مرهقون، والممرضون يتنقلون بين المرضى كمن يؤدون مهمة عقابية. أما إذا جاء أحدهم يشكو، أو طالب بحقه في العلاج، فسيكون الرد إما بلامبالاة قاتلة أو بجملة باردة: ” ايلا ماعجبك حال سير لكلينيك”، وكأن المستشفى لم يُبنَ بأموال الشعب، ولم يكن من المفترض أن يكون ملاذا لمن لا يستطيع تحمل نفقات العلاج الباهظة.
لقد أصبح العلاج في هذا البلد تجارة، وأصبحت المستشفيات أسواقا مفتوحة، يُباع فيها كل شيء، حتى الحق في الحياة. من يدفع، يُعالج. ومن لا يملك، عليه أن يعود أدراجه أو ينتظر مصيره المحتوم في ركن بارد من ممر مكتظ.
المؤسف أن كل هذا يحدث في الوقت الذي تواصل فيه الجهات المسؤولة الحديث عن “الإصلاحات”، عن “البرامج التنموية”، عن “التغطية الصحية”، وكأن الواقع مجرد ورقة يمكن تزويقها بالأرقام والكلمات المنمقة. لكن الحقيقة لا تُخفى، ومن جرب انتظار طبيب في قسم المستعجلات، أو سمع بنفسه جملة “السكانير خاسر” او سير شري لكبص من برا، يعرف أن الأزمة أعمق من أن تُغطى بتقارير رسمية أو مؤتمرات صحفية.
نحن لا نطلب معجزة، ولا نريد مستشفيات فاخرة، ولا غرفا مكيفة، نريد فقط أن يكون العلاج حقا لا امتيازا، وأن تكون المستشفى مكانا للشفاء، لا ساحة للمساومات.





