عبد القادر الفرساوي
في بداية عام 2025، لم يكن العنف اليميني المتطرف مجرد شبح يلوح في الأفق، بل حقيقة صارخة تتجسد في محاكم، وشوارع، ومنصات رقمية تحولت إلى ساحات لتغذية الحقد. لم يعد الأمر يتعلق فقط بخطابات معادية أو شعارات قومية متطرفة، بل أصبح شبكة مترامية الأطراف، تمتد من الأحياء الهادئة في المملكة المتحدة إلى المدن الصاخبة في الولايات المتحدة، وصولا إلى الضواحي البعيدة في أستراليا، حيث تعكس كل حادثة وجها جديدا لهذا التهديد المتنامي.
كانت بريطانيا أول من فتح دفاتر هذا العام بتدخل حاسم ضد واحدة من الجماعات اليمينية المتطرفة، حيث قررت الحكومة فرض عقوبات مالية عليها، لتقطع عنها شريان الحياة الذي يغذي نشاطاتها. لكن القرار لم يكن مجرد إجراء قانوني، بل إعلان حرب ضد منظومة متكاملة من الخطاب التحريضي الذي وجد لنفسه مكانا في الأوساط السياسية والإعلامية، متخفيا وراء شعارات الدفاع عن “الهوية الوطنية”. في الوقت ذاته، كشفت تحقيقات صحفية أن إحدى الجماعات اليمينية كانت تمارس طقوسها الخاصة في الظل، تخطط وتناقش وتضع استراتيجيات مستوحاة من أكثر الفترات دموية في التاريخ الأوروبي. في هذه الاجتماعات المغلقة، لم يكن الحديث عن قضايا سياسية أو اجتماعية، بل عن تكتيكات وأساليب لجعل الكراهية مشروعا منظما قادرا على فرض وجوده في الشارع.
وعلى بعد آلاف الأميال، كانت الولايات المتحدة تشهد مشهدا أكثر تعقيدا. في إحدى الجامعات العريقة، تحولت قاعة محاضرات إلى ساحة معركة فكرية، بعدما قررت الإدارة معاقبة أستاذة قانون معروفة بمواقفها المتطرفة، متهمة إياها بنشر أفكار عنصرية تحت غطاء “التحليل الأكاديمي”. لكن المسألة لم تتوقف عند حدود الجامعة، بل تحولت إلى معركة قانونية بين من يرون في الأمر تعديا على حرية التعبير، ومن يعتبرونه خطوة ضرورية لمواجهة التطرف الذي يتسلل إلى المؤسسات التعليمية، مرتديا ثوب الفكر والنقاش.
لم تكن المعارك الفكرية وحدها هي الساحة الرئيسية، فقد شهدت أمريكا حادثة أثارت القلق من جديد حول مدى تغلغل الفكر اليميني في المجتمع. شاب مجهول، لم يكن معروفا لدى السلطات، لكنه كان متابعا نهما لمنصات تحريضية، قرر حمل سلاحه والتوجه نحو هدفه المختار بعناية، مؤمنا بأنه “يؤدي واجبه” في مواجهة ما يعتقد أنه تهديد لبلاده. لم يكن عضوا في أي جماعة، لم يشارك في أي تظاهرة، لكنه كان نموذجا مثاليا لما يُعرف بـ”الذئاب المنفردة”، حيث لا يحتاج الإرهاب إلى تنظيم مركزي ليحصد الأرواح، بل يكفي أن يتشبع شخص واحد بالفكرة، ليصبح مشروع قاتل جاهز للتنفيذ.
أما في سويسرا، فقد كانت إحدى أعرق المؤسسات المالية في قلب العاصفة، بعد أن كشفت تحقيقات أمريكية أن بنكا شهيرا كان متورطا في عرقلة التحقيقات حول أموال نازية قديمة، ما فتح الباب أمام تساؤلات حول مدى تغلغل النفوذ اليميني في الأوساط الاقتصادية الكبرى. لم يكن الأمر مجرد فضيحة مالية، بل مؤشرا على أن هذه الأيديولوجيات لم تعد مقتصرة على المجموعات المهمشة، بل وجدت لنفسها مسارات جديدة داخل الأنظمة التي يُفترض أنها تحاربها.
وفي أستراليا، لم تكن الصورة أقل قتامة، حيث تصاعدت الحوادث العنصرية واستهداف المهاجرين، ليس فقط عبر الهجمات الفردية، بل من خلال حملة ممنهجة على الإنترنت، حيث تعمل بعض المجموعات المتطرفة على توظيف الأزمات الاقتصادية والاجتماعية لصالحها، محولة الاستياء الشعبي إلى وقود لتوسيع نفوذها.
كل هذه المشاهد، رغم اختلاف مواقعها، تروي قصة واحدة: التطرف اليميني لم يعد مجرد فكرة متطرفة تتداولها مجموعات معزولة، بل أصبح تيارا عالميا يجد في الأزمات بيئته المثالية للنمو. وبينما تحاول الحكومات التصدي له عبر قوانين جديدة وعمليات أمنية، يظل السؤال الأهم: هل يمكن القضاء على شبح يتخذ من العقول مأوى له، ويتغذى على الخوف، ويجد في الإنترنت عالما بلا حدود لنشر أفكاره؟





