عبد القادر الفرساوي
لا جديد تحت شمس الساحل الإفريقي، سوى مزيد من الدماء. الإرهاب يواصل بسط ظلاله القاتمة، مستغلا هشاشة الدول وضعف جيوشها، وانسحاب القوى الأجنبية التي كانت، ولو نسبيا، تمسك بخيوط التوازن لأن ذلك كان في مصلحتها.
التقارير الصادرة عن مرصد الإرهاب (19 فبراير 2025)، والتي استندت إلى بيانات ميدانية، ترسم صورة قاتمة: 103 هجمات إرهابية في يناير وحده، 517 قتيلا بين مدنيين وعسكريين، وارتفاع العدد إلى 737 عند احتساب الاشتباكات بين الجماعات الإرهابية نفسها. أرقام تجعل الحديث عن “تحسن الأوضاع” ضربا من الوهم، أو ربما محاولة ساذجة للتفاؤل.
بوركينا فاسو: الجحيم المستمر
إذا كان ثمة دولة يمكن أن توصف بأنها مختبر الإرهاب في الساحل، فهي بوركينا فاسو. ودّعت هذه الدولة عام 2024 بـ: 38 هجوما إرهابيا، لكنها استقبلت 2025 على نحو أكثر دموية، بواقع 53 هجوما خلال شهر يناير فقط، خلّف 278 قتيلا.
معظم هذه الهجمات تحمل بصمة تنظيم “جماعة نصرة الإسلام والمسلمين”، الذي يبدو أنه قرر تكثيف ضرباته، سواء ضد الجيش، أو الميليشيات المحلية، أو حتى التنظيمات الإرهابية المنافسة. ففي 11 يناير، استهدفت جماعة “داعش في الساحل” دورية عسكرية في يبلبا (شمال البلاد)، مما أسفر عن مقتل 10 جنود و6 عناصر من الدرك و6 مدنيين. وبعد أقل من أسبوعين، في 22 يناير، كانت البلاد على موعد مع هجوم أكثر وحشية، حينما اجتاح مقاتلو جماعة نصرة الإسلام والمسلمين معسكرا عسكريا في سيبا (ياغا)، ما أدى إلى مقتل 21 جنديا و12 مدنيا، فضلا عن إصابة 20 آخرين واختفاء 18 عنصرا عسكريا. لم يكن الهجوم مجرد عملية قتل جماعي، بل تلاه إحراق محطة وقود وسيارات إسعاف المستشفى المحلي، في رسالة واضحة مفادها أن الإرهاب هنا ليبقى.
لكن الأخطر من ذلك أن الاقتتال الداخلي بين الجماعات الجهادية بات جزءا من المشهد. ففي 7 يناير، هاجم مقاتلو جماعة نصرة الإسلام والمسلمين عناصر من داعش في الساحل في منطقة هيغا، على حدود النيجر، مما أسفر عن مقتل اثنين وأسر ثالث. الصراع على النفوذ والممرات الاستراتيجية أصبح أكثر تعقيدا، والأيام القادمة قد تحمل مفاجآت أكثر دموية.
نيجيريا… عندما يصبح الإرهاب “نظاما”
على الضفة الأخرى، وفي منطقة بحيرة تشاد، كان المشهد في نيجيريا أكثر اشتعالا. التقرير يشير إلى ارتفاع عدد الهجمات من 7 في دجنبر إلى 17 في يناير، بينما تضاعف عدد القتلى من 11 إلى 118 ضحية خلال شهر واحد.
الدموية تجلت بأبشع صورها في 12 يناير، حينما نفّذ مقاتلو “داعش في غرب إفريقيا” مجزرة بحق 40 مزارعا وصيادا في قرية دومبا (بورنو)، رغم أن هؤلاء الضحايا كانوا قد وقّعوا اتفاقا مع التنظيم نفسه لحمايتهم. لكن في عالم الإرهاب، لا ضمانات، ولا عهود، والموت دائما هو النتيجة الوحيدة الممكنة.
الصراع بين التنظيمات الإرهابية في نيجيريا لم يتوقف عند المدنيين، بل امتد إلى معارك شرسة بين بوكو حرام و ولاية غرب إفريقيا لتنظيم داعش للسيطرة على طرق التهريب والممرات الحدودية. في 20 يناير، اندلعت مواجهات بين الفصيلين في لومبورام وكاتشالا كيلوري (بورنو)، انتهت بمقتل 10 مقاتلين من بوكو حرام وانسحابهم من المنطقة.
وفي 24 يناير، رفع مقاتلو ولاية غرب إفريقيا من مستوى التصعيد، فشنّوا هجوما واسعا على قاعدة عسكرية في مثلث تمبكتو (بورنو)، مستخدمين عربات مفخخة وطائرات مسيّرة، مما أدى إلى مقتل 27 جنديا، بينهم قائد عسكري. المشهد النيجيري، إذن، لم يعد مجرد “حرب على الإرهاب”، بل صراعا طويل الأمد بين تنظيمات إرهابية أصبحت تتعامل مع الدولة على أنها كيان منافس، وليس العكس.
بنين… لم تعد دولة آمنة
لطالما كانت بنين خارج الحسابات الأمنية الكبرى في الساحل، لكن يبدو أن 2025 قررت قلب الطاولة. في 8 يناير، نفّذ 200 مقاتل من جماعة نصرة الإسلام والمسلمين هجوما على قاعدة عسكرية في كاريماما (ألِيبوري)، مما أسفر عن مقتل 36 جنديا من وحدة “عملية المرصاد”، وهي إحدى الفرق الأساسية لمحاربة الإرهاب في البلاد.
الهجوم الذي وصفه تقرير مرصد الإرهاب بأنه “الأعنف في تاريخ بنين”، لم يكن مجرد ضربة عسكرية، بل اختبارا حقيقيا لقوة الدولة. رغم أن الجيش البنيّني نفذ عملية مضادة قتل خلالها 40 مسلحا، إلا أن الحادث كشف هشاشة القوات المسلحة المحلية أمام الهجمات الإرهابية المنظمة.
وسط هذه الفوضى، لم يكن من المفاجئ أن يأتي انسحاب القوات الفرنسية من تشاد في 30 يناير، ليطرح تساؤلات أكثر مما يقدّم إجابات. وبالتوازي، أعلنت ساحل العاج تقليص عدد القوات الفرنسية في قاعدة بورت-بوويه، لتصبح مهمتها مقتصرة على التدريب فقط.
هذا الانسحاب دفع دول مالي، النيجر، وبوركينا فاسو إلى إنشاء “تحالف دول الساحل الثلاثي”، والإعلان عن قوة عسكرية مشتركة قوامها 5000 جندي. لكن هل ستنجح هذه القوة في سد الفراغ الأمني؟ أم أنها ستكون مجرد رقم جديد في سجل المحاولات الفاشلة؟ إلى جانب العمليات المسلحة، أصبح الخطف مصدرا رئيسيا لتمويل الجماعات الإرهابية. خلال يناير، سُجِّلتعدة حالات، أبرزها:
اختطاف مواطنة نمساوية (73 عاما) في أغاديز، النيجر، والتي لا تزال محتجزة لدى داعش في الساحل.
خطف إسباني في تامنراست، الجزائر، قبل أن يُطلق سراحه بفضل تدخلات محلية.
اختطاف عاملين صينيين من شركة CNPC في أغاديز، وسط شكوك بأنهم باتوا في قبضة داعش-ولاية غرب إفريقيا .
كل المؤشرات تؤكد أن عام 2025 لن يكون مختلفا عن سابقه، بل ربما أكثر دموية وتعقيدا. الجماعات الإرهابية لم تعد مجرد “عصابات مسلحة”، بل كيانات مهيكلة تسيطر على مناطق واسعة، وتفرض ضرائب، وتتعامل مع الدولة كخصم متكافئ.
في ظل هذا الوضع، يبقى السؤال: هل تستطيع الدول الإفريقية مواجهة هذا الخطر وحدها؟ أم أن الفراغ سيفتح الباب أمام قوى جديدة، ربما أكثر وحشية مما سبق؟
الأيام القادمة تحمل الإجابة، لكنها بلا شك لن تكون خالية من الدماء.





