حين تصبح الإنسانية تجارة: فجوة التمويل بين العجز والتواطؤ

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

عبد القادر الفرساوي

 

 

 

في عالم يُنفق تريليونات الدولارات على صناعة الموت، تبدو حياة الإنسان وكأنها مجرد رقم على هامش معادلات السياسة والاقتصاد. الأمم المتحدة، تلك المؤسسة التي يُفترض أنها ملاذ المظلومين والمشردين والجياع، تطلق نداء استغاثة آخر: 45 مليار دولار لإنقاذ 185 مليون شخص، لكن العالم لا يجد في جيوبه سوى 5% من هذا المبلغ. عذرا، فالأموال مشغولة في صفقات الأسلحة، في سباقات التسلح، في تمويل مشاريع الهيمنة، أما حياة الملايين ممن تآمر عليهم الفقر والحرب والكوارث، فهي ليست سوى “عبء إضافي” على ميزانيات الدول الكبرى.
من المفارقات المضحكة المبكية أن الأمم المتحدة نفسها، التي تدير صناديق الاستجابة الطارئة، تبدو وكأنها تتسول التمويل من ذات الدول التي تصنع الأزمات. وكأنها تقول لهم: “أيها السادة، لقد أشعلتم الحرب، فهلا تكرمتم بإطفاء النيران ولو مؤقتا؟” لكنها لا تتلقى سوى الفتات، تماما كما تُلقى بقايا الموائد للطيور، لا شفقة بها، بل حفاظا على ديكور الإنسانية في واجهة النظام العالمي.
يُقال إن الكوارث لا تفرق بين الضحايا، لكن التمويل الإنساني يفعل ذلك بكل وضوح. فبينما تحصل بعض الأزمات على تغطية إعلامية واسعة وتعاطف عالمي، تُترك أزمات أخرى للانطفاء بصمت، لأن أصحاب القرار لم يجدوا فيها مصالح اقتصادية أو أوراقا سياسية قابلة للمساومة.

حين اندلعت الحرب في أوكرانيا تدفقت المليارات خلال أسابيع و فتحت العواصم الغربية خزائنها لدعم اللاجئين، أما حين يتعلق الأمر بدول تعاني منذ عقود من الجوع و الصراعات فإن المجتمع الدولي يلزم الصمت و يكتفي ببيانات الإدانة و ” المساعدات الرمزية”. و اذا نظرنا إلى دول إفريقيا مثل موريتانيا والنيجر وزامبيا تتلقى الفتات، أما فلسطين الجريحة فمحرم عليها ذلك نهائيا وكأن معاناة أهلها أقل شأنا، أو كأن صراخ الجرحى و الجوعى هناك لا يصل إلى آذان العالم.

ثم يأتي الحديث عن المناخ، ذلك الشعار الذي أصبح عملة رائجة في سوق الخطابات السياسية. الأمم المتحدة تتباهى بإطلاق “حساب العمل المناخي” لمساعدة الفئات المتضررة من التغيرات المناخية، لكن السؤال هو: هل ستصل هذه الأموال فعلا إلى من يحتاجونها، أم أنها ستنتهي في تقارير واستراتيجيات ومؤتمرات تتنقل بين العواصم دون أن تصل إلى طفل فقد منزله بسبب الجفاف أو إعصار؟
إن الحديث عن فجوة التمويل الإنساني ليس مجرد مسألة أرقام، بل هو صورة مكثفة للنفاق الدولي، حيث تبكي الدول الكبرى على جراح العالم أمام الكاميرات، لكنها خلف الأبواب الموصدة تُناقش عقود بيع الأسلحة وإبرام الصفقات التجارية التي تغرق الدول الفقيرة في مزيد من الأزمات.
فإذا كانت الأمم المتحدة لا تملك القدرة على فرض آليات تمويل مستدامة، وإذا كانت الدول الكبرى تفضل ضخ الأموال في الحروب بدلا من حياة البشر، فمتى تنتهي هذه المسرحية الهزلية التي يسمونها “الإنسانية”؟ هل سنظل نسمع كل عام عن خطط إنقاذ، ثم نكتشف أنها ليست سوى جُملة جديدة في تقرير أممي آخر؟
العالم لا يعاني من قلة الموارد، بل من قلة الضمير.

إيطاليا تلغراف

 


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...