عبد القادر الفرساوي
في زمن يُثقل كاهل الأمة بالجراح، وحيث يتسابق المتحدثون على المنابر بالكلمات، يطلّ صوتٌ ملثمٌ، يُنصت له الأعداء قبل الأصدقاء، فتتردد أصداؤه في كل زاوية، صادحا بالحقيقة التي لا يُمكن إنكارها. إنه أبو عبيدة، ذلك الاسم الذي لم يعد مجرد ناطق باسم المقاومة، بل بات رمزا في قلوب الملايين، عنوانا للصمود والكبرياء في وجه الاحتلال.
منذ أول ظهور له، سكن صوته الهادئ والقوي وجدان الجماهير، وأصبح وجهه الملثم دلالة على رجل لا يبتغي مجدا شخصيا ولا يعرف التباهي، بل هو رسولٌ لكلمات تأتي من عمق المعركة، تحمل بين طياتها ثقة المنتصرين وإيمان أصحاب الحق. لم يكن مجرد ناقل للأخبار، بل كان عنوانا للحقيقة التي لا تعرف المواربة، كلما تحدث أصغت إليه أمة كاملة، تُنصت ليس لأنها تبحث عن كلماتٍ منمقة، بل لأنها تؤمن أن ما يقوله هو الواقع، بعيدا عن تزوير الإعلام وضجيج الدعاية.
في خطابه الأخير، كما في كل خطاب، كانت كلماته مدروسة، واضحة كحدِّ السيف، لا تحمل ترددا ولا خوفا. “ما لم يأخذه العدو بالحرب، لن يأخذه بالتهديدات”، جملة واحدة، لكنها كافية لتلخيص معادلةٍ استوعبها العدو جيدا، فحاول التهرب من الاتفاقات، مراوغا ومماطلا، لكنه وجد أمامه صلابة لم يتوقعها. في كل مرة يحاول فيها الاحتلال فرض منطقه بالقوة، يجد أن لغة المقاومة أشدّ رسوخا، وأن كلماته لم تكن مجرد تصريحاتٍ إعلامية، بل عقيدة تُترجمها الأفعال.
لا يترك الفرصة دون أن يُذكر الأمة، يخاطب تلك الملايين التي تتابع كل نبأ، يناديهم، ليس من باب العتب، ولكن من باب الإيمان بوحدة المصير. “لن تقوم قائمة للأمة حتى تطهر هذه الأرض من دنس المحتلين”، كلمات تهز الوجدان، تضع الجميع أمام مسؤولية لا يمكن إنكارها، فالقضية لم تكن يوما شأنا فلسطينيا فقط، بل هي امتحانٌ لكرامة الأمة جمعاء. يدرك تماما أن الاحتلال لا يعبأ بالمفاوضات، ولا يعترف إلا بمنطق القوة، ولذلك فإن حديثه لم يكن إلا تأكيدا لما يعرفه الجميع، أن العدو لم يكن يوما صادقا في وعوده، وأن المقاومة وحدها هي الضمانة الوحيدة لتحقيق العدالة.
في حديثه عن الأسرى، تبدو النبرة أكثر حزما، وأكثر وضوحا. الاحتلال يقتل أسراه، يتنصل من الاتفاقات، يمارس البلطجة بأشكالها المختلفة، لكن المقاومة لم تكن يوما بمثل خفته وسقوطه، فحتى في أوج المعارك، ظلّت على عهدها، تحترم قواعدها وأخلاقها، لأن الحرب لا تعني التخلي عن القيم، ولا يمكن لمن يُجاهد في سبيل الحرية أن يسقط إلى درك الإجرام الذي يعتمده المحتل.
عندما يتحدث عن الجاهزية، لا يكون ذلك تهديدا أجوف، بل وعدا مدعوما بالوقائع. لم يكن يوما من الذين يرفعون الصوت لملء الفراغ، بل كان دائما صوتا يُمهّد لأفعالٍ قادمة، تُربك العدو وتُزلزل كيانه. لهذا، حينما يُحذر من مغبة المراوغة، يدرك العدو أن المقاومة لم تقل يوما ما لا تستطيع فعله، وأنها حين تعد بالرد، فهي على أتم استعداد لتنفيذه بأقصى درجات الدقة والقوة.
في زمن الهزائم المتكررة، يحتاج الناس إلى أصوات تثبتهم، إلى رموز تشعل فيهم الأمل بأن النصر ليس خيالا، بل حقيقة تُكتب بالتضحيات والصبر. لذلك، لم يكن أبو عبيدة مجرد ناطقٍ باسم المقاومة، بل كان تجسيدا لصوتٍ أكبر، صوت كل من لم يخضع، كل من قاوم، كل من رفض أن يكون الاحتلال قدرا محتوما. ومن خلف القناع، يتردد الصدى، قويا كما كان دائما، ليؤكد أن من يحمل الحق، لا يخشى التهديدات، ومن قاوم بالسلاح، لن يخضع لمنطق الابتزاز.





