التنين الصامت… كيف تُعيد الصين رسم خارطة النفوذ في عالم متأرجح؟

 

 

 

 

عبد القادر الفرساوي

 

 

 

في عالم يتهاوى توازنه، حيث القوى العظمى لم تعد كما كانت، تقف الصين بذكاء استراتيجي، تراقب، تتأمل، وتتحرك بصمت محسوب، وكأنها لاعب شطرنج ينتظر اللحظة المناسبة لتحريك القطعة التي تقلب الطاولة. لم تعد بكين ذلك التنين النائم، بل أصبحت كيانا اقتصاديا ودبلوماسيا يُعيد تشكيل المعادلات الدولية، مستغلة الفوضى التي خلفتها التحولات السياسية في الغرب.
ليس غريبا أن يجد العالم نفسه في مواجهة مرحلة جديدة، حيث تتراجع واشنطن خطوة إلى الوراء، تاركة خلفها فراغا تتسابق القوى الأخرى لملئه، لكن لم يكن أحد أسرع من الصين في اغتنام هذه الفرصة. من أمريكا اللاتينية إلى إفريقيا، مرورا بأوروبا وآسيا، تتحرك بكين بهدوء، تُبرم الاتفاقيات، تُنشئ الطرق والموانئ، وتُحكم قبضتها على مستقبل الاقتصاد العالمي دون أن تطلق رصاصة واحدة.
لم يكن مشهد الرئيس الصيني وهو يُدشّن ميناء تشانكاي في بيرو مجرد افتتاح تقليدي، بل كان إعلانا رمزيا لعصر جديد، حيث تتحول الصين إلى قلب التجارة العالمية في أمريكا اللاتينية، متجاوزة الولايات المتحدة في مناطق كانت تُعتبر تاريخيا جزءا من نفوذها الحصري. لم تعد بكين بحاجة إلى المواجهة المباشرة، فبينما تنشغل واشنطن بصراعاتها الداخلية والتوترات مع حلفائها، تمهد الصين طريقها كشريك اقتصادي مستقر، يُقدم الفرص بدلا من الشروط.
في إفريقيا، لم تكن الصين مجرد ضيف اقتصادي، بل صديق قديم يعود محملا بالوعود والمشاريع العملاقة. محطات فضائية، أقمار صناعية، شبكات بنية تحتية متطورة، كلها تُمنح للدول الإفريقية في إطار شراكات استراتيجية، لكنها تأتي بشيء لا يُقال صراحة: بكين تحتفظ بحق الوصول إلى البيانات والمعلومات التي تجمعها هذه الأنظمة.
وفي أوروبا، حيث الانقسام السياسي والضغوط الاقتصادية يزدادان، تتقدم الصين بخطى ثابتة. لم يكن حضور وزير خارجيتها في مؤتمر ميونيخ للأمن مجرد مشاركة دبلوماسية، بل رسالة واضحة: بينما يطلق المسؤولون الأمريكيون الخطابات الحادة، نحن هنا لنقدم حلولا وشراكات.
الصين لم تعد قوة صاعدة، بل قوة قائمة ترسم حدود اللعبة، لكنها تفعل ذلك بأسلوب مختلف عن القوى التقليدية. ليست بحاجة إلى فرض عقوبات أو شن حروب، بل تكتفي باستخدام الاقتصاد كسلاحها الأول، والدبلوماسية كدرعها الحصين. وفي عالم يتغير بسرعة، يبقى السؤال: هل نحن أمام نظام عالمي جديد تتشكل ملامحه تحت ظلال التنين الصيني؟

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...