عبد القادر الفرساوي
في زنزانة باردة في مركز احتجاز فوينخيرولا في إسبانيا، حيث تُختزل الحياة في جدران ضيقة وباب معدني يُغلق بإحكام، كان شاب مغربي، 32 سنة، يصرخ، يطرق الباب بعصبية، كأنه يحاول إيقاظ ضمير نائم خارج تلك القضبان. ربما كان يبحث عن إجابة، ربما كان يطالب بحقه في معاملة آدمية، أو ربما كان فقط يحاول ألا يُدفن بصمت داخل سجن لا يرى نزلاءه سوى أرقام في ملفات أمنية.
لكن القانون في تلك اللحظة لم يكن يُكتب بالحروف، بل بالأقدام. شرطي إسباني لم يسأل، لم يحاول التفاوض، لم ينذر أو يحذّر، بل اندفع نحو الزنزانة وكأن يديه و رجليه خُلقتا للركل لا لإنفاذ القانون. ركلة قوية أسقطت المهاجر أرضا، أعقبها وابل من الضربات، لُكمات تتوالى على وجهه، ورأسه، ثم ركلات أخرى تُسحق بها كرامته قبل جسده. في ركن الزنزانة، كان هناك معتقل آخر، لم يكن طرفا في شيء، لكنه حصل على نصيبه من “العدالة الإسبانية” أيضا، إذ أمسكه الشرطي بقوة، ورماه فوق زميله، ثم وجه للأول ضربة أخيرة على الرأس قبل أن يخرج من الغرفة وكأن شيئا لم يكن.
المشهد كان سيكون مجرد فصل جديد في كتاب الانتهاكات المسكوت عنها، لولا أن كاميرا المراقبة وثّقت المشهد، ولولا أن أحد المعتقلين لمحها وأشار إليها، وكأنه يحاول إخبار الشرطي بأن العالم قد يراه، ولو لم يكن اليوم، فغدا. الفيديو خرج إلى العلن، وبثه برنامج “Mañaneros” على القناة الإسبانية TVE، كاشفا تفاصيل ما حدث في تلك الليلة من 8 يناير الماضي. رجل الأمن لم يكن يعلم أن عدسة الكاميرا ستكون شاهدة على اللحظة التي تجرد فيها من القانون، وتحول إلى مجرد جلاد بعصبية منفلتة.
لكن القصة لا تنتهي هنا، بل تبدأ من هذه النقطة. المؤسسة الأمنية الإسبانية، كعادتها، لم تكن في عجلة من أمرها. لم يتم توقيف المعتدي، لم تُوجّه إليه تهمة فورية، فقط فُتح له “تحقيق داخلي”، وأُبعد “مؤقتا” عن التعامل مع المعتقلين، وكأن العنف مشكلة في توزيع المهام لا في عقلية رجال الأمن أنفسهم. في المقابل، الشرطي دافع عن نفسه بتبرير أكثر سخرية من الجريمة ذاتها، زاعما أنه استخدم “الحد الأدنى من القوة”، وأن يده تألمت بسبب ضربه للمعتقل، وكأن المشكلة ليست في أنه اعتدى، بل في أنه تأذى أثناء الاعتداء!
لكن لا أحد يُصدق هذا السيناريو المملّ. فكيف يمكن اعتبار ركلات متتالية، وضربات على الرأس، وإلقاء معتقل فوق آخر، وركلة ختامية على الجمجمة، “حدا أدنى من القوة”؟
القضية ليست جديدة.. لكنها متكررة بصياغات مختلفة
في عام 2019، مات شاب مغربي آخر داخل مركز احتجاز ب: بالينثيا، بعدما تعرض للضرب من سجناء آخرين، في ظل “إهمال أمني متعمد”، حيث لم تتدخل الشرطة إلا بعد فوات الأوان. الفيديوهات المسربة حينها أظهرت كيف تُرك الشاب المغربي ينزف حتى الموت، دون أن يُقدم له أي إسعاف. الرواية الرسمية تحدثت عن “حادث عرضي”، لكن الناشطين أكدوا أن الشرطة مسؤولة عن وفاته.
والآن، في 2025، يتكرر المشهد بنفس السيناريو، مع اختلاف في التفاصيل، لكن النتيجة واحدة: الضحية مهاجر، والجاني شرطي، والعدالة عمياء عندما يكون المعتدى عليه لا يحمل الجنسية الإسبانية.
الشرطة الإسبانية أصدرت بيانا رسميا بعد تسريب الفيديو، قالت فيه إن “مثل هذه الحوادث ليست شائعة”، وكأن التكرار المتواصل لهذه الاعتداءات ما زال يُعتبر مجرد “حالات فردية”. لكن هل يمكن اعتبار ركل معتقل وضربه دون مبرر “استثناء”؟ هل يُعقل أن تكون كل هذه الجرائم مجرد تصرفات فردية؟ أم أن هناك ما هو أعمق، ثقافة أمنية ترى في المهاجرين فئة أقل من البشر، تستحق الركل بدل الاستماع، والإهانة بدل العدالة؟
القضاء الإسباني ينظر في القضية، ويحقق فيما إذا كان هذا الاعتداء “جريمة” أم مجرد استخدام للقوة”، بينما الواقع لا يحتاج إلى تحقيق، لأن من يحتاج إلى دليل ليثبت أن الركل على الرأس ليس “إجراء أمنيا”، فهو إما أعمى، أو متواطئ.
اليوم، الضحية نُقل إلى المستشفى مصابا بنزيف، بينما المعتدي لا يزال في وظيفته. وغدا، ربما يُسرب فيديو آخر، لواقعة أخرى، في مركز احتجاز آخر، مع ضحية
جديدة، ومجرم جديد، وتبرير أمني جديد، وصمت دولي آخر، لأن الركل حين يكون موجّها لمهاجر غير شرعي، فهو ليس “جريمة”، بل مجرد “تفاصيل بيروقراطية تنتظر التحقيق”.
وحتى إشعار آخر، يبقى الركل لغة غير رسمية في مراكز الاحتجاز الإسبانية، ويبقى الضحايا مجرد أرقام في سجلات الشرطة، ويبقى العالم يراقب، ويتظاهر بأنه لم يرَ شيئا.





