حين يصمت النص ويتكلم البروتوكول الملكي: رئاسة الحكومة بين الإمكان الدستوري وحدود المنظومة الرمزيّة للدولة
* الدكتور شَنْفَار عَبْدُ اللَّه
ماذا بعد تصدّر حزب الأصالة والمعاصرة انتخابات أعضاء مجلس النواب؟ هل يعيّن جلالة الملك فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة للحكومة؟
هنا لا يكفي استدعاء فكرة «التعيين الملكي» باعتبارها قالبًا واحدًا؛ فرئاسة الحكومة ليست من قبيل الوظائف التي يُستمد شغلها من ظهير التعيين على غرار ما هو معمول به في هيئة رجال السلطة.
ولعل التذكير، في هذا السياق، بأن الولاة والعمال والباشوات والقواد يُعيّنون ويُعفون بمقتضى ظهير شريف، باقتراح من وزير الداخلية، يكشف أكثر مما يوحي به ظاهر المقارنة: فشكل التعيين لا يحدد وحده الطبيعة الدستورية للمنصب ولا مرتبته داخل هندسة السلطة.
ومن هنا يبدأ السؤال الحقيقي.
من خلال ما درسناه في مادة القانون الدستوري في كلية الحقوق، على يد فقهاء القانون الدستوري الكبار وما راكموه من اجتهادات فقهية في المغرب وخارجه، وما تلقيناه في مادة الشريعة والفكر الإسلامي من مبادئ مقاصد الشريعة الإسلامية وأصول المذهب المالكي الذي يأخذ به بلدنا منهاجًا ونبراسًا، تبرز هنا عقدة الإشكال:
فإذا وقفت أو جلست رئيسة الحكومة في الصفوف الأمامية محاذية لجلالة الملك أو خلفه مباشرة بين الرجال، فإن ذلك يطرح إشكالًا من منظور المذهب المالكي السائد والأعراف الدينية المستقرة في ترتيب صفوف الصلاة، حيث تتأخر صفوف النساء ولا يحاذين الرجال فيها.
وفي ضوء الإحالات العميقة لإمارة المؤمنين، حيث الوثيقة الدستورية لا تقول كل شيء، لا تعود المسألة مجرد سؤال عن الإمكان القانوني لتولي المرأة رئاسة الحكومة، وإنما تصبح سؤالًا عن كيفية انتقال هذا الإمكان من النص إلى الممارسة، ومن القاعدة الدستورية إلى المنظومة الرمزية والبروتوكولية للدولة.
وبالعودة إلى القراءة النصية للفصل 47 من دستور المملكة المغربية لسنة 2011، الذي ينص على أن: «يعيّن الملك رئيس الحكومة من الحزب السياسي الذي تصدّر انتخابات أعضاء مجلس النواب وعلى أساس نتائجها»، نجد صياغة دستورية دقيقة تفتح مجالًا للاختيار داخل الحزب المتصدر، ولا تجعل التعيين، بصيغة صريحة، مرتهنًا بشخص الأمين العام أو الأمناء العامين للحزب.
وبالتالي، لا يوجد في الفصل 47 ما يمنع من أن تكون رئيسة الحكومة امرأة. لكن القراءة الدستورية لا تقف دائمًا عند حدود النص؛ فالبنية المؤسسية للنظام المغربي تقوم أيضًا على أعراف وممارسات وإحالات رمزية متصلة بموقع الملك باعتباره رئيس الدولة وأمير المؤمنين.
وهنا تحديدًا تنتقل المسألة من سؤال «هل يسمح الدستور؟» إلى سؤال أكثر تركيبًا: هل يكفي الإمكان الدستوري وحده لإنتاج ممارسة مؤسسية منسجمة مع المنظومة الرمزية والبروتوكولية للدولة؟
ذلك أن رئاسة الحكومة، وإن كانت وظيفة تنفيذية دستورية محددة الصلاحيات، لا توجد خارج السياق العام للنظام السياسي الذي تتحرك داخله.
ومن ثم فإن تعيين امرأة على رأس الحكومة لا يطرح فقط مسألة المساواة في تولي الوظائف السياسيّة، ولا مجرد حدود السلطة التقديريّة في تطبيق الفصل 47، وإنما يضع النص الدستوري أمام اختبار الممارسة:
كيف تُرتّب البروتوكولات؟ وكيف تُدار المناسبات ذات الطابع الديني؟ وكيف يُوفَّق بين الصفة السياسيّة لرئيسة الحكومة وبين مقتضيات البروتوكول المرتبط بإمارة المؤمنين؟
وهنا بالضبط يظهر ما يمكن تسميته بـ«صمت النص»: فالفصل 47 يحدد منطق التعيين، لكنه لا يجيب عن كل الأسئلة التي قد تطرحها ممارسة هذا التعيين داخل منظومة مؤسساتيّة تتداخل فيها القاعدة الدستوريّة مع العرف السياسي والبروتوكول الملكي والإحالات الدينيّة والرمزيّة لإمارة المؤمنين.
______
*الدكتور شَنْفَار عَبْدُ اللَّهِ مفكّر وباحث مغربي متخصّص في العلوم القانونيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة، يهتم بقضايا الدولة والمجتمع والسياسات العموميّة والتنمية والتحوّلات السياسيّة والاقتصاديّة والثقافيّة.
له عدة إسهامات فكريّة ودراسات ومقالات في الشأن المغربي والعربي والإسلامي.
ومن أبرز مؤلفاته: «الإدارة المغربية ومتطلبات التنمية» (2000)، و«الفاعلون المحليّون والسياسات العموميّة المحليّة» (2015)، و«الفاعلون في السياسات العموميّة الترابيّة» (2020).





