حين يصبح البحر مقبرة مفتوحة: مأساة المغاربة والهجرة غير النظامية إلى إسبانيا

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

عبد القادر الفرساوي

 

في كل موجة تتكسر على السواحل، هناك حلمٌ ينطفئ، وقصةٌ لم تكتمل، وصوتٌ كان يصرخ لكنه غرق قبل أن يسمعه أحد. في عام 2024، لم يكن البحر أكثر رحمة مما كان عليه من قبل، ولم تكن إسبانيا أقرب مما تبدو، بل ظلّت المسافة بين الضفتين تُقاس بأجساد الذين حاولوا العبور ولم يصلوا، وبأسماء الذين اختفوا ولم يُعثر لهم على أثر.
أكثر من 63 ألف مغربي اختاروا أن يعبروا البحر في رحلة غير نظامية، يشكّلون 13% من مجموع المهاجرين إلى إسبانيا. حملهم الموج في قوارب متهالكة، بعضهم لامس اليابسة، وبعضهم ظلّ معلقا بين السماء والماء، ينتظر أن يبتلعه الأزرق إلى الأبد. المحيط الأطلسي، ذاك الامتداد الشاسع الذي يبدو كطريق إلى الأمل، كان أيضًا طريقًا إلى الهلاك، حيث

عبره أكثر من 46 ألف مغربي، لكن أكثر من ألف منهم لم يُكملوا الرحلة، غرقوا في صمت، كأن البحر يختار ضحاياه بلا سبب سوى أنهم وثقوا به أكثر مما ينبغي. أما البحر الأبيض المتوسط، فقد حمل 14 ألفًا من المغاربة، لكنه لم يكن أقل قسوة، إذ ابتلع أكثر من 400 منهم، لتُضاف أسماؤهم إلى قائمة الموت التي لا تتوقف عن التمدد.
على اليابسة، لم تكن الحدود البرية أكثر رحمة، فقد تمكن أقل من ثلاثة آلاف شخص من العبور عبر المعابر البرية إلى سبتة ومليلية، وكأنها النافذة الصغيرة التي لا تكفي لكل هذا الطوفان من الباحثين عن مخرج. لكن حتى الذين عبروا، لم يكن بقاؤهم مضمونا، فقد أعادت أوروبا أكثر من 22 ألف مغربي إلى بلادهم، بزيادةٍ بلغت 26% مقارنة بالعام السابق، وكأن الرحلة كلها لم تكن سوى دائرة مغلقة تبدأ وتنتهي في نفس المكان، لكنها تُكلّف الأرواح والكرامة والكثير من الخيبات.
لماذا يختار كل هؤلاء أن يُقامروا بحياتهم في بحرٍ لا يُؤتمن، وفي مراكب لا تقوى على مواجهة الريح؟ أي حياة تلك التي تجعل الموت احتمالا مقبولا مقابل الوصول إلى ضفة أخرى؟ ليست مجرد رحلة نحو أوروبا، بل هروبٌ من واقع ضاقت به الأبواب، ومن وطن لم يعد يتسع لأحلامهم. يرحلون لأن الأمل صار شيئا يلمع في البعيد، ولأن الموانئ تبدو أكثر صدقا من الوعود، ولأن القوارب، رغم هزالها، تمنحهم شعورا بأنهم يتحركون ولو إلى الهاوية.
بين البحر والترحيل، بين الأمل والخسارة، تبقى الحقيقة واحدة: هناك جثث لم يعُثر عليها، وهناك أمهات ما زلن ينتظرن، وهناك قوارب تستعد الليلة لمغادرة الشواطئ، حاملة معها أسماء جديدة لمأساة قديمة.

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...