عبد القادر الفرساوي
في قلب الضفة الأخرى من المتوسط، وفي مناطق مثل مدريد وبرشلونة ومورثيا، تنبض لهجة مغربية دافئة وسط شوارع إسبانية صاخبة. لم يعد وجود المغاربة في إسبانيا مجرد مظهر من مظاهر الهجرة، بل أصبح مكوّنا بنيويا في النسيج الاجتماعي، يُعيد تعريف الهوية والتعدد الثقافي في البلاد.
أكثر من مليون ومئة ألف مغربي يشكلون اليوم أكبر جالية أجنبية في إسبانيا. رقمٌ لا يُقرأ فقط كإحصاء ديمغرافي، بل كحكاية أجيال تعاقبت، وجوهٌ صنعت طرقها بين الحقول والمصانع والجامعات، تكتب سيرتها بين الحنين والاندماج، بين “الكسكس” و”الباييّا”، وبين علمين يرفرفان في ميدان “بويرطا ديل لصول”: الأحمر المغربي والأحمر والأصفر الإسباني.
منذ عام 2018، حصل أكثر من ربع مليون مغربي على الجنسية الإسبانية، غير أن هذا التحول الإداري يخفي في طيّاته جدلا هوياتيا معقدا. فإسبانيا، في نظرتها القانونية، لا تعترف بازدواجية الجنسية تلقائيا، بينما المغرب لا يسحبها أبدا مهما حصل، فتعيش أرواح هؤلاء المغاربة في ازدواجية الانتماء، لا هي بالفصام ولا بالتناقض، بل بانفتاح إنساني يُلزمهم بأن يكونوا أبناء وطنين، وناقلين لجسر ثقافي بين ضفتين.
الهجرة المغربية إلى إسبانيا لم تكن يوما حركة فرار فقط، بل بحث عن فرصة، عن كرامة معيشية، عن أفق لأبناء لم يولدوا بعد. أسباب التجنيس متنوعة: بعضهم سعى لحقوق مدنية كاملة، كحق التصويت والمشاركة، وآخرون أرادوا فقط ضمانا قانونيا في ظل وضع هش، بينما رأى كثيرون في جواز السفر الأوروبي مفتاحا للحركة والعمل في فضاء أرحب.
تتركز الجالية المغربية اليوم في كاطالونيا (28%)، ثم أندلوثيا (18%)، ثم مورثيا، حيث تجد بيوتا تفوح منها رائحة الشاي بالنعناع، ومآذن صغيرة ترتفع بين المباني الأوروبية، لتشهد على تفاعل يومي بين ثقافتين، وعلى إرادة مشتركة لبناء التعايش. أما مدريد وكاطالونيا فكانتا الوجهتين الأهم لمن نالوا الجنسية في السنوات الأخيرة، وكأن العاصمتين ترحّبان بالهوية الجديدة التي تنمو في أحضان الحداثة.
هذه الجالية، التي يتكوّن معظمها من شباب (53% بين 19 و49 سنة)، لا تعيش على الهامش، بل تسهم في دوران عجلة الاقتصاد الإسباني، وتضع بصمتها في المدارس والمستشفيات، في الحقول والمعامل، وحتى في مقاعد الجامعات. أكثر من 25 ألف مولود مغربي يُضيئون السجلات الإسبانية كل عام منذ 2019، وكأن الجالية تقول: نحن هنا، وسنبقى في هذا البلد ونعمل من أجله، دون أن نتخلى عن رائحة الطفولة في مدن تطوان و القنيطرة و طنجة وفاس والداخلة…
ليست الهجرة نهاية الحكاية، بل بدايتها. فالمغاربة في إسبانيا لم يعودوا مجرد ضيوف عابرين، بل رُسُل ثقافة وعيش مشترك، يزرعون نكهة المغرب في أسواق إسبانيا، ويعلّمون أبناءهم كيف يكون للإنسان جذر في الأرض وأجنحة في السماء.
من المغرب إلى إسبانيا، ومن الجذور إلى الغصون، تستمر الحكاية.





