بقلم/ التجاني بولعوالي
حوالي 50 ألف شخص يدخلون سبتة خلال يوم واحد! ماذا لو بقيت الحدود مفتوحة أسبوعا كاملا؟
كثرت التأويلات لما جرى، ولكل وجهة نظر ما يبررها. لكن ما يعنيني هنا ليس التأويل ولا التبرير؛ فالحدث في حد ذاته أكبر من كل التأويلات، وأفدح من أن يبرر بمنطق سياسي أو إعلامي.
لسنا أمام حادث عابر، وإنما أمام حراك اجتماعي وسياسي وإنساني هائل، تتقاطع فيه السياسة والاقتصاد والإعلام والهجرة، ويتجاوز أثره حدود المغرب وإسبانيا ليصل إلى الرأي العام الدولي بأسره.
وأنا أتابع وسائل الإعلام العالمية وتصريحات المسؤولين الأوروبيين، انتابني شعور مؤلم، وكأن صورة الوطن تتآكل أمام أعيننا، وهالته الرمزية تتبدد، والمكانة التي راكمها خلال السنوات الأخيرة تتعرض لاهتزاز عميق.
قبل وقت غير بعيد، كان المغرب يحضر في كثير من المحافل الدولية بوصفه نموذجا للاستقرار والإصلاح، وتحظى تجربته باهتمام وإعجاب في عدد من البلدان. لكن في ظرف وجيز، بدا وكأن تلك الصورة تعرضت لانتكاسة حادة، حتى خُيّل للبعض أن كل ما تراكم من رصيد معنوي قد تبخر. وكأن عينا أصابته في مقتل، أو سحرا دفينا يعمل في خفاء على تفكيك محبة الناس لما هو مغربي بتوظيف كل أصناف الشياطين؛ شياطين الإنس والجن والسياسية والإعلام والعولمة!
بعيدا عن هذا التفسير “الخرافي”، يبدو لي أن المغرب يعيش اليوم شكلا من أشكال الهروب الجماعي غير المسبوق. وما يميز هذا الهروب أنه يجري أمام عدسات العالم، ويشارك فيه الأطفال والنساء والرجال، والفقراء وذوو الاحتياجات الخاصة، بل وأسر بأكملها.
والحقيقة أن هذا المشهد لم يبدأ اليوم.
لقد سبقته أشكال متعددة من الهجرة؛ هجرة العمال والطلبة والكفاءات والرياضيين، حيث يختار كثير منهم الاستقرار النهائي في بلدان المهجر. وسبقته أيضا الهجرة السرية عبر قوارب الموت، التي ابتلعت آلاف الشباب، حتى أصبحت قرى وأحياء بأكملها في الريف تشهد نزيفا ديمغرافيا مستمرا.
وهناك نوع ثالث أقل ظهورا، لكنه لا يقل خطورة، وهو الهروب النفسي من الواقع؛ حين ينسحب الإنسان من الشأن العام، ويعيش نوعا من اللامبالاة القسرية، لا لأنه عاجز عن المشاركة، وإنما لأنه فقد الثقة في جدوى المشاركة نفسها.
كل ذلك يؤكد أن الوقت قد حان، إن لم يكن قد فات، لكي تعيد الدولة المغربية النظر بعمق في المقاربة السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي تدير بها شؤون البلاد، خصوصا بعد مرور سنوات طويلة على دستور 2011، الذي علق عليه المغاربة آمالا كبيرة، دون أن يلمسوا آثارا ملموسة في حياتهم اليومية بالقدر الذي كانوا ينتظرونه.
فالذي كشف عنه هذا المشهد ليس مجرد أزمة حدود، بل خلل بنيوي في العلاقة بين الدولة والمجتمع، وفي العدالة الاجتماعية، وتوزيع الثروة، ومحاربة الفساد، وتفعيل الدستور، والحد من اقتصاد الريع، وهي ملفات ما تزال تؤرق المغاربة منذ سنوات.
لقد قُدمت وعود كثيرة منذ الربيع المغربي، ثم حراك الريف، لكن جزءا كبيرا منها بقي حبيس الخطابات، بينما تعززت مصالح فئات محدودة من رجال السياسة والأعمال، والإقطاعيين الجدد، والمستثمرين الكبار، في وقت تتسع فيه الفجوة بين الأغنياء والفقراء.
ففي أسفل الهرم الاجتماعي تعيش أغلبية واسعة تحت ضغط الغلاء، وضعف القدرة الشرائية، والبطالة، والرشوة، وتدهور الخدمات الأساسية. وتشير بيانات البنك الدولي إلى أن نحو 1% من المغاربة، أي ما يقارب نصف مليون شخص، يعيشون بأقل من 1.9 يورو يوميا، بينما تبلغ نسبة الفقر المدقع نحو 3.9%، أي ما يقارب مليونا ونصف المليون نسمة، فضلا عن ملايين آخرين يصنفون ضمن الفئات الهشة. ولعل الواقع المعيش، في كثير من الأحيان، أشد قسوة من لغة الأرقام.
وفي المقابل، تشير التقارير الاقتصادية إلى وجود آلاف المليونيرات (7500 مليونير) في المغرب، و432 شخصا من فاحشي الثراء، أي بأصول تتجاوز 30 مليون دولار للشخص، و35 شخصا تبلغ ثروتهم أكثر من 100 مليون دولار، وأربعة مليارديرات، وفق تصنيفات مجلة فوربس. وهذه المفارقة الصارخة بين الثروة الهائلة والفقر الواسع تطرح أسئلة ملحة حول العدالة في توزيع الثروات والفرص.
وبين هذين الطرفين توجد الطبقة الوسطى؛ الموظفون، والأساتذة، وأصحاب المهن الحرة، والبرجوازية الصغرى. وهي الفئة الأكثر قدرة على الدفاع عن الإصلاح والترافع من أجل الصالح العام، لكنها تجد نفسها في كثير من الأحيان ممزقة بين حرصها على استقرارها الاجتماعي والمهني، وبين إحساسها الأخلاقي بما يعيشه المجتمع من اختلالات.
ولم أكتب هذه الكلمات شماتة في وطني، ولا رغبة في الإساءة إلى أحد، وإنما بدافع الغيرة عليه، والألم لما آل إليه الوضع. فالمغرب، بتاريخ حضارته، وغنى ثقافته، وكرم شعبه، يستحق مكانة أفضل بكثير مما هو عليه اليوم، لكنه يحتاج إلى مقاربة سياسية أكثر وضوحا، وعدالة، وشفافية.
وعندما أتأمل مشاهد الهروب الجماعي، لا أراها مختلفة في جوهرها عن أي تجربة هجرة أو لجوء شهدها التاريخ. فالإنسان، في الغالب، لا يغادر وطنه مختارا، وإنما تدفعه الظروف دفعا. وحتى الهجرة النظامية، في كثير من الأحيان، ليست سوى بحث منظم عن حياة أكثر كرامة.
ولو توفرت للناس شروط العيش الكريم، من عدالة، وفرص عمل، وتعليم جيد، وصحة لائقة، وأمن اجتماعي، لما فكر أحد في مغادرة وطنه إلا للسياحة أو الدراسة أو العمل المؤقت.
ولهذا كثيرا ما أسأل نفسي: ماذا أفعل أنا هنا في أوروبا؟ وماذا يفعل ملايين المغاربة في مختلف أنحاء العالم؟ لماذا بدأت الهجرة المغربية منذ ستينيات القرن الماضي، وما تزال مستمرة إلى اليوم، رغم كل التحولات الكبرى التي شهدها المغرب؟
هل يعقل أن يترك الإنسان وطنه، ووالديه، وأهله، وأصدقاءه، وذكرياته، وكل ما يمنحه معنى الانتماء، لو كان يجد فيه حياة كريمة؟
أعتقد أن الجواب واضح.
ولعل التجربة الأوروبية تقدم لنا درسا مهما. فقد كانت إسبانيا، والبرتغال، وإيطاليا، تصدر اليد العاملة إلى أوروبا الغربية، لكنها تحولت، بعد ترسيخ الديمقراطية وتحقيق التنمية، إلى دول تستقبل المهاجرين بدل أن تصدر أبناءها.
فالتقدم الحقيقي لا يقاس بعدد الملاعب الرياضية، ولا بحجم الاستثمارات الأجنبية، ولا بالمهرجانات، وإنما يقاس بجودة التعليم، وقوة المنظومة الصحية، والعدالة الاجتماعية، والقدرة الشرائية، واستقلال القضاء، وكفاءة الإدارة، وأنظمة الحماية الاجتماعية، وبمدى شعور المواطن بأن ثروات بلاده تنعكس على حياته اليومية.
عندئذ فقط، لن يفكر المغربي في الهجرة إلا باعتبارها تجربة اختيارية، لا ضرورة وجودية، وربما يتحقق حلم العودة الذي يراود ملايين مغاربة العالم، كما تحقق من قبل لملايين الإسبان والإيطاليين والبرتغاليين.
ورغم كل هذا، ما زلت أؤمن بأن الأمل لم ينطفئ.
ولا يزال بالإمكان تصحيح المسار إذا توفرت الإرادة السياسية الصادقة، وبدأت مراجعة حقيقية لأساليب الحكامة، وسياسات التنمية، والعلاقة بين الدولة والمواطن.
فالمغرب كبير بتاريخه، وثقافته، وشعبه، لكنه لن يحافظ على هذه المكانة الرمزية إلا إذا أصبح كبيرا أيضا بديمقراطيته، وعدالته الاجتماعية، وسيادة القانون، واحترام كرامة الإنسان، وتوسيع فضاء الحرية والمواطنة.





