عبد القادر الفرساوي
في زاوية منسية من ريف إسبانيا، حيث السهول تمتدّ بلا نهاية وتهمس الأشجار للريح بحكايا العابرين، سال الدم بدل الزيت، وسقطت الأرواح البريئة تحت طعنات غدرٍ نابتة من رحم الظلام.
لم يكن بيدرو أويون يعرف أن خروجه صباحا إلى بستان الزيتون سيكون الوداع الأخير. ولم يكن يخطر في بال زوجته التي انتظرته ساعات أن زوجها، رجل الطيبة والزرع، سيُقتل بوحشية على يد من استبدل القرآن بالسكين، والإيمان بالحقد، والوطن بالوهم. وما كانت تعلم أن الشجرة التي زرعها بيديه، ستشهد على موته.
تكرر المشهد بعده، مع خوسي لويس أغواظو في منطقة ريبافورِّاضا، ثم رَّامون روسيل في منطقة ليريدا. ثلاث جرائم متسلسلة، بثلاث طعنات متوحشة، في ثلاث حقول مختلفة، ارتكبها رجل واحد: علال المرابط، الذي أطلقت عليه الصحافة لقب “الجهادي السائق”.
علال ليس مجرد قاتل؛ هو نتاج سنوات من الفكر المتعفّن، من بيئات مغلقة غيّبت العقل وسُحقت فيها الروح. هو ابن خِطابٍ متطرف يُعادي الحياة باسم الدين، ويبرر الفتك بالناس بأنه قُربى إلى الله. لكنه في الحقيقة، أقرب إلى الذئاب الضالة من أي شيء آخر.
تبدأ قصة أمثاله في الزوايا المهجورة، في قنوات الإنترنت المظلمة، وفي أحاديث مسمومة تبثّ الحقد على “الكفار”، وتحوّل كل من يخالفهم إلى هدف مشروع. لا يرى المتطرف الإنسان في الآخر، بل يراه مشروع غنيمة أو عدوّاً وجودياً. يتغذّى على الكراهية، يَستسقي العزلة، ويَغتسل بخطابات الدم.
التطرف لا يولد فجأة، بل ينمو مثل فطر سامّ في التربة الرطبة التي لا تُراقب، ويُسقى من تناقضات مجتمعية، من هشاشة نفسية، من قصور في الفهم، ومن شعور مريض بالعظمة المقرون بذلّ واقعي.
قصة علال تكشف خللا عميقا في المنظومة الأمنية والقضائية الأوروبية. كيف يُطلق سراح رجل سبق له أن حاول السفر إلى سوريا للانضمام لداعش؟ كيف يُراقب بسوار إلكتروني فقط؟ ولماذا لم يُمنع من التنقل، رغم سوابقه في الترويج للفكر التكفيري؟
الجواب يكمن في حالة الارتباك التي تعيشها أوروبا، حيث تُقايَض الحريات بالأمن، وتُضبَط المعايير بين حماية الحقوق الفردية ومجابهة التهديدات الجماعية. النتيجة؟ مجرمون يتنقلون بحرية بين المدن والدول، يحملون سكاكينهم كما يحمل غيرهم رغيف خبز.
في الوقت الذي تكتفي فيه أوروبا بردّ الفعل، اختار المغرب أن يُحارب الغلوّ من منبعه. في منتصف العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، شرع في إصلاح شامل للحقل الديني، أدرك فيه أن المعركة ليست مع المسلح فقط، بل مع ما يتغلغل إلى العقول قبل أن يُمسك أحدهم السكين أو يقود الشاحنة نحو المارّة.
وفي هذا السياق، تم إحداث معهد محمد السادس لتكوين الأئمة والمرشدين والمرشدات، الذي أضحى قبلة للشباب من دول إفريقية وأوروبية، حيث تُدرّس فيه العقيدة الوسطية، وقيم التسامح، وحُسن الفهم. وتُقَدَّم فيه علوم الدين جنبا إلى جنب مع مواد في علم النفس والسوسيولوجيا، لإعداد خطباء لا يُتقنون الفتوى فقط، بل يفهمون الناس والمجتمع.
كما وضع المغرب آلية دقيقة لمراقبة المحتوى الديني في المساجد، وسحب البساط من تحت أقدام كل من حاول أن يحوّل المنبر إلى منصة للتحريض أو التخوين.
لكن الاستراتيجية المغربية لم تتوقف عند أسوار المساجد، بل توغّلت إلى أعماق السجون. هناك، حيث قد يتحوّل السجين إلى متطرف جديد، أطلق المغرب برنامجا رائدا يُعرف بـ : المصالحة، يعمل على إعادة تأهيل السجناء المدانين في قضايا الإرهاب.
في هذا البرنامج، يرافقهم مرشدون دينيون متخصصون، لا يكتفون بإلقاء المواعظ، بل ينخرطون في حوارات فكرية طويلة، يفككون النصوص المتشددة، ويعيدون بناء العلاقة بين الفرد والدين، على أساس إنساني وروحي.
وقد نجح هذا النموذج في إقناع عدد كبير من السجناء بالتبرؤ من أفكارهم السابقة، بل إن بعضهم خرج ليُساهم في توعية غيره، شاهدا حيا على أن الهداية تبدأ حين يُتاح لها من يدلّ عليها.
المغرب، أيضا، لم يخُض هذه الحرب بمفرده. بل تحوّل إلى شريك أساسي في منظومة الأمن الإقليمي والدولي، وأسهم في إحباط هجمات إرهابية كانت على وشك الوقوع في فرنسا وبلجيكا وإسبانيا. وقد أثبتت الأجهزة الأمنية المغربية، وفي مقدمتها المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني (DGST) و المديرية العامة للدراسات و المستندات (DGED)، قدرة استباقية عالية، جعلتها تحظى بثقة كبرى لدى الشركاء الأوروبيين.
ولم يكن هذا التعاون مجرد تبادل معلومات، بل بناء ثقة، ومطاردة فكر، وقطع لأذرع التمويل، وكشف لخلايا نائمة، في تنسيق يُشهد له بالكفاءة والانضباط.
إن علال المرابط، وإن وُلد في المغرب، إلا أنه كَبُر في وسط أوروبي فشل في دمجه، وتركه طَريدة في يد الجماعات المتطرفة. هو مثال لما يحدث عندما يُترك الشاب المهاجر فريسة للبطالة، والوحدة، والانفصال الهوياتي. لا دين قوي يردعه، ولا انتماء حضاري يشده، ولا رعاية نفسية تقيه من السقوط.
وهنا تقع المسؤولية بين مجتمعات الاستقبال التي فشلت في دمج هؤلاء، وبين الأوساط التي تصمت عن بث السمّ الديني المتطرّف، وبين الحكومات التي تتعامل مع الفكر الجهادي كما تتعامل مع الجريمة العادية، غير مدركة أن هذا الفكر ليس مجرّد انحراف بل مشروع خراب شامل.
أخيرا، أوقفوا علال في فرنسا. نُقل مكبلا، بعدما سالت ثلاث أرواح على طريق هروبه. أوقفوه بعد فوات الأوان. أما ضحاياه، فلن يعودوا. لقد دفنوا تحت تراب شهد ظلما مضاعفا: ظلم القاتل، وظلم التقصير الأمني، وظلم عالَم لم يعرف كيف يمنع الجريمة قبل وقوعها.
من قلب التربة الإسبانية التي سال فيها دماء الفلاحين، يجب أن تنبت صرخة وعي. لا بد أن تعي أوروبا أن التطرف لا يُحارَب بالمجاملات القانونية، ولا بالهروب من الحقيقة. الكراهية لا تنبت وحدها، بل تُزرع، تُروى، وتُترك حتى تصبح سكينا.
ولأن المغرب فهم ذلك مبكرا، وأسس لبنية دينية مضادة، فحريّ بأوروبا أن تنظر إلى تجاربه بعين الجدية، لا بعين الاستعلاء. فحين تصمت العقول، تتكلم السكاكين.





