د. محمد الفقيه
قال تعالى : ….. والذين يَكْنِزُون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله، فبشرهم بعذاب أليم” (9/34).
قرأت أكثر من عشرة تفاسير حول تفسير هذه الآية الكريمة وكلها مجمعة على أن المقصود بالكنز هو المال الفائض عن الحاجة، البالغ نصاب الزكاة ولم تؤدى زكاته، والمتأمل للآية الكريمة بتمعن يرى أن الآية لا تتحدث عن الزكاة لا من قريب أو بعيد، بدليل أن الله تعالى يطالبنا أن ننفق كل أموالنا في سبيله، ومن المعلوم أن الزكاة المفروضة بالمفهوم الفقهي: هي دفع جزء من المال المستحق الزكاة إلى مستحقيه وليس كل المال، ومن الآيات الدالة على ذلك قوله تعالى :….ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو. وقال تعالى :ومما رزقناهم ينفقون. وقال تعالى : والذين في أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم .
وهناك العشرات من الآيات القرآنية والتي تشير بشكل واضح على أن الزكاة المفروضة هي جزء من المال المدخر الذي استوفى شروط زكاته.
إذا الآية الكريمة : ….. والذين يَكْنِزُون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله، فبشرهم بعذاب أليم” لا تتحدث عن الزكاة مطلقا، لا الزكاة المفروضة ولا الزكاة التطوعية والتي بمعنى الصدقة .
إذا كيف يمكن فهم الآية الكريمة؟
فإذا أردنا فهم الآية فهما واقعيا منسجما مع السياقات القرآنية لا بد أن نُفرغ عقولنا من المعرفة السابقة، وأن نحلل الآية الكريمة ونفكك كلماتها، ومن ثم نقوم بتركيبها ليتضح المعنى الأقرب للصواب والملائم لواقعنا المعاصر.
أولا : فيما يتعلق بمفهوم الكنز، معظم علماء التفسير ذهبوا إلى أن الكنز هو المال الذي لم تؤدى زكاته، ولكن بالمفهوم الاقتصادي المعاصر يأخذ الكنز دلالات أخرى خطيرة وخطيرة جدا لها ارتباط بالكساد، فالكنز بالمفهوم المعاصر هو تكديس المال ومنعه من أن يدور دورتة الطبيعية في المجتمع، مما يترتب عليه نقص في السيولة النقدية، فينتج عن ذلك إزدياد البطالة، وخفض الأجور، مما يؤدي إلى الإنهيار الإقتصادي بعد ذلك، إذا هذا ما تتحدث عنه الآية القرآنية بالتحديد، خاصة وأنها تتحدث عن كنز الذهب والفضة حيث أن هذين الصنفين هما الأثمان الحقيقية للسلع، إذا الآية الكريمة لا تتحدث عن الزكاة مطلقا، وتدل الآية دلالة واضحة أن المطلوب من الذين يكنزون الذهب والفضة ليس الزكاة، وإنما المطلوب منهم أن ينفقوا أموالهم كلها كما هو ظاهر في الآية الكريمة وليس جزءا منها .
ثانيا : مفهوم الإنفاق في سبيل الله : المتتبع لآيات القرآن الكريم يلحظ بكل وضوح أن كلمة الإنفاق جاءت لتدل على ثلاثة أنواع من الإنفاق هي :
الإنفاق الإستهلاكي ، الإنفاق الخيري، الإنفاق الإستثماري.
ومن الآيات الدالة على الإنفاق الاستهلاكي قوله تعالى :لينفق ذو سعة من سعته، ومن قُدِرَ عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله، لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها سيجعل الله بعد عسرٍ يسرا” (65 / 7).
أما فيما يتعلق بالانفاق الخيري فهي جميع الآيات القرآنية التي تحث على الصدقة في وجوه الخير المختلفة .
أما الآيات الدالة على الإنفاق الاستثماري، منها قوله تعالى :وأحيط بثمره فأصبح يقلب كفيه على ما أنفق فيها وهي خاوية على عروشها ويقول يا ليتني لم أشرك بربي أحدا“ (18 / 42).
تأمل معي قوله تعالى : فأصبح يقلب كفيه على ما أنفق فيها ، عبر الحق عز وجل بكلمة أنفق فيها، بمعنى استثمر فيها، فالكلمة تأخذ بعدا اقتصاديا بشكل جلي واضح، وهذا ما يساعدنا على فهم الآية الكريمة: والذين يَكْنِزُون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله، فبشرهم بعذاب أليم” (9/34).
إذا المطلوب هو إنفاق كل المال بهذا المفهوم وليس جزءا منه ، بمعنى أنه لا يجوز كنز النقد سواء كان بصورته النقدية أو الذهبية أو غير ذلك وحبسه ومنعه من أن يدور دورته الاقتصادية الكاملة في المجتمع؛ لما لذلك من آثار اقتصادية مدمرة لها ارتباط قوي بالكساد الاقتصادي، وما يترتب عليه من آثار سلبية على المجتمع .
وهذا لا يمنع من أن يدخر الإنسان مبلغا ماليا مناسبا، الغاية منه الإنفاق لمدة زمنية مناسبة ولكن الادخار المنهي عنه هو كنز المال ومنعه من أن يدور دورته الاقتصادية في المجتمع مما يترتب على ذلك الركود والكساد الاقتصادي.
فكم علينا أن نعيد قراءة القرآن الكريم قراءة معاصرة تعالج إشكاليات الواقع والمستقبل .





